وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ حَمْلُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأَنَّهُ لَوْ جَاءَهُمْ ذَلِكَ الْعَذَابُ لَيْلًا وَقَدْ عَايَنُوا مُقَدِّمَتَهُ، لَمْ يَكُنْ بَغْتَةً، وَلَوْ جَاءَهُمْ نَهَارًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِمُقَدِّمَتِهِ لَمْ يَكُنْ جَهْرَةً.
فَأَمَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، اسْتَقَامَ الْكَلَامُ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) مَعَ عِلْمِكُمْ بِأَنَّ الْعَذَابَ إِذَا نَزَلَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّمْيِيزُ؟
قُلْنَا: إِنَّ الْهَلَاكَ وَإِنْ عَمَّ الْأَبْرَارَ وَالْأَشْرَارَ فِي الظَّاهِرِ، إِلَّا أَنَّ الْهَلَاكَ فِي الْحَقِيقَةِ مُخْتَصٌّ بِالظَّالِمِينَ الشِّرِّيرِينَ، لِأَنَّ الْأَخْيَارَ يَسْتَوْجِبُونَ بِسَبَبِ نُزُولِ تِلْكَ الْمَضَارِّ بِهِمْ أَنْوَاعًا عَظِيمَةً مِنَ الثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ اللَّه تَعَالَى، فَذَاكَ وَإِنْ كَانَ بَلَاءً فِي الظَّاهِرِ، إِلَّا أَنَّهُ يُوجِبُ سَعَادَاتٍ عَظِيمَةً؟
أَمَّا الظَّالِمُونَ فَإِذَا نَزَلَ الْبَلَاءُ بِهِمْ فَقَدْ خَسِرُوا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ مَعًا، فَلِذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّه تَعَالَى بِكَوْنِهِمْ هَالِكِينَ، وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ التَّقِيَّ النَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْبَلَاءِ أَوْ فِي الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ، وَأَنَّ الْفَاسِقَ الْكَافِرَ هُوَ الشَّقِيُّ، كَيْفَ دَارَتْ قَضِيَّتُهُ وَاخْتَلَفَتْ أحواله، واللَّه أعلم.
(قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ(50)
اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ مَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ نَفْيِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ؟
فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنْ يُظْهِرَ الرَّسُولُ مِنْ نَفْسِهِ الْتَّوَاضُعَ للَّه وَالْخُضُوعَ لَهُ وَالِاعْتِرَافَ بِعُبُودِيَّتِهِ، حَتَّى لَا يُعْتَقَدَ فِيهِ مِثْلُ اعْتِقَادِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.