«فإن قال قائل» : أوَليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت، فكيف قيل: (توفته رسلنا) "والرسل"جملة وهو واحد؟ أوَليس قد قال: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) [سورة السجدة: 11] ؟
قيل: جائز أن يكون الله تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت، فيكون"التوفي"مضافًا = وإن كان ذلك من فعل أعوان ملك الموت = إلى ملك الموت إذ كان فعلهم ما فعلوا من ذلك بأمره، كما يضاف قتلُ من قتل أعوانُ السلطان وجلدُ من جلدوه بأمر السلطان، إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده.
قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ}
«فإن قال قائل» : فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى (تارح) فكيف يكون (آزر) اسمًا له، والمعروف به من الاسم (تارح) ؟
قيل له: غير محال أن يكون له اسمان، كما لكثير من الناس في دهرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم. وجائز أن يكون لقبًا يلقّب به.
{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) }
«فإن قال لنا قائل» : أفلا أمْنٌ في الآخرة، إلا لمن لم يعص الله في صغيرة ولا كبيرة، وإلا لمن لقي الله ولا ذنبَ له؟
قلنا: إن الله عنى بهذه الآية خاصًّا من خلقه دون الجميع منهم، والذي عنى بها وأراده بها، خليلَه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فأما غيره، فإنه إذا لقي الله لا يشرك به شيئًا فهو في مشيئته إذا كان قد أتى بعض معاصيه التي لا تبلغ أن تكون كفرًا، فإن شاء لم يؤمنه من عذابه، وإن شاء تفضل عليه فعفا عنه.
قالوا: وذلك قول جماعة من السلف، وإن كانوا مختلفين في المعنيِّ بالآية.
فقال بعضهم: عُني بها إبراهيم.
وقال بعضهم: عني بها المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.