قيل: تَقْدِيره: ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين وسبيل الْمُؤمنِينَ؛ فَحذف أَحدهمَا اختصارا، وَالأَصَح أَن تَقْدِيره: ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين عَن سَبِيل الْمُؤمنِينَ.
قوله تعالى: {وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : لم خص [الْوَرق] السَّاقِط وَهُوَ يعلم السَّاقِط وَالثَّابِت؟
قيل: هَذَا مَعْنَاهُ: أَي: وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا سَاقِطَة وثابتة، قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق: أَرَادَ بِالْوَرَقَةِ الساقطة: السقط.
قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يتوفاكم بِاللَّيْلِ}
أَي: يقبض أرواحكم بِاللَّيْلِ إِذا نمتم، وَهَذَا نَظِير قَوْله: {الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها} .
«فَإِن قَالَ قَائِل» : أَلَيْسَ من نَام فروحه مَعَه؛ فَمَا معنى هَذَا الْقَبْض؟
قيل: هُوَ قبض النَّفس المميزة المتصرفة.
{وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) }
«فإنْ قيلَ» : قد قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: {قل يتوفاكم ملك الْمَوْت} وَقَالَ هَاهُنَا: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} فَكيف وَجه الْجمع؟
قيل: قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: لملك الْمَوْت أعوان من الْمَلَائِكَة، يتوفون عَن أمره؛ فَهُوَ معنى قَوْله: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} وَيكون ملك الْمَوْت هُوَ الْمُتَوفِّي فِي الْحَقِيقَة؛ لأَنهم يصدرون عَن أمره، وَلذَلِك نسب الْفِعْل إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْآيَة، وَقيل: مَعْنَاهُ: ذكر الْوَاحِد بِلَفْظ الْجمع، وَالْمرَاد بِهِ: ملك الْمَوْت، وَفِي الْقَصَص أَن الله - تَعَالَى - جعل الدُّنْيَا بَين يَدَيْهِ كالمائدة الصَّغِيرَة؛ فَيقبض من هَاهُنَا وَمن هَاهُنَا؛ فَإِذا كثرت الْأَرْوَاح يَدْعُو الْأَرْوَاح فتجيب لَهُ.
قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ... (62) }
«فَإِن قَالَ قَائِل» : الْآيَة فِي الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار، فَكيف قَالَ: {مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} وَقد قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: {وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم} ؟
قيل: الْمولى فِي تِلْكَ الْآيَة بِمَعْنى: النَّاصِر، وَلَا نَاصِر للْكفَّار، وَالْمولى هَاهُنَا بِمَعْنى: الْمَالِك، وَالله مَالك الْكل، وَقيل: أَرَادَ بِهِ رد الْمُؤمنِينَ إِلَيْهِ، وَيدخل الْكفَّار فِيهِ تبعا.