وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَا يَصِحُّ مِنْ أَنَّهَا مِثْلُنَا فِي الْمَعْرِفَةِ، وَأَنَّهَا تُحْشَرُ وَتُنَعَّمُ فِي الْجَنَّةِ، وَتُعَوَّضُ مِنَ الْآلَامِ الَّتِي حَلَّتْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَسْتَأْنِسُونَ بِصُوَرِهِمْ، وَالصَّحِيحُ (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) فِي كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً دَالَّةً عَلَى الصَّانِعِ مُحْتَاجَةً إِلَيْهِ مَرْزُوقَةً مِنْ جِهَتِهِ، كَمَا أَنَّ رِزْقَكُمْ عَلَى اللَّهِ.
وَقَوْلُ سُفْيَانَ أَيْضًا حَسَنٌ، فَإِنَّهُ تَشْبِيهٌ وَاقِعٌ فِي الْوُجُودِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ)
أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَإِنَّهُ أَثْبَتَ فِيهِ مَا يَقَعُ مِنَ الْحَوَادِثِ.
وَقِيلَ: أَيْ فِي الْقُرْآنِ أَيْ مَا تَرَكْنَا شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ إِلَّا وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، إِمَّا دَلَالَةً مُبَيَّنَةً مَشْرُوحَةً، وَإِمَّا مُجْمَلَةً يُتَلَقَّى بَيَانُهَا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَوْ مِنَ الْإِجْمَاعِ، أَوْ مِنَ الْقِيَاسِ الَّذِي ثَبَتَ بِنَصِ الْكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ)
وَقَالَ: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)
وَقَالَ: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ]
فَأَجْمَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَآيَةِ (النَّحْلِ) مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَصَدَقَ خَبَرُ اللَّهِ بِأَنَّهُ مَا فَرَّطَ فِي الْكِتَابِ من شيء إِلَّا ذَكَرَهُ، إِمَّا تَفْصِيلًا وَإِمَّا تَأْصِيلًا، وَقَالَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) .
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(42)
معنى (بِالْبَأْساءِ) بِالْمَصَائِبِ فِي الْأَمْوَالِ (وَالضَّرَّاءِ) فِي الْأَبَدَانِ، هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقَدْ يُوضَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ، وَيُؤَدِّبُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْبَأْسَاءِ والضراء وبما شاء (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) .