قوله عز وجل: {أَرَأَيْتَكُمْ} الهمزة للاستفهام دخلت للتقرير، والتاء ضمير الفاعل، والضمير الثاني للخطاب لا محل له من الإعراب، إنما هو علامة تدل على الخطاب، كالتنوين وتاء التأنيث وياءي النسب، فكما أن التنوين علامة للأخف والأمكن، والتاء علامة التأنيث، والياءَ علامة النسب، ولا محل لهن من الإِعراب، كذلك هذه الكاف علامة للخطاب لا محل لها من الإِعراب، ودليل ذلك أنها لا تخلو من أن تكون في موضع رفع أو نصب أو جر:
فلا يجوز أن تكون في موضع رفع؛ لأنه لا رافع قبلها، إذ ليست بفاعل الفعل الذي قبلها؛ لأن فاعله التاء، ولا يكون لفعل واحد فاعلان، والكاف ليست من علامات المضمر المرفوع.
ولا يجوز أن تكون في موضع نصب؛ لأن هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين، نحو: أرأيت زيدًا ما صنع، فلو جعلت الكاف في موضع نصب لكنت عديته إلى ثلاثة مفعولين، وأيضًا فلو كان في موضع نصب لكان هو الفاعل في المعنى، ويصير المعنى والتقدير: أرأيتك نفسك، وهذا خلف من القول، إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك، ألا ترى أنك إذا
قلت: أرأيتك زيدًا ما صنع، كان زيد غير المخاطب، ولا هو بدل منه؛ لأن المظهر لا يبدل من المخاطب.
واختلف في مفعولي (أرأيت) :
فقيل: {إِنْ} وما تعلق بها في موضع المفعولين لرأيت، وقيل: كلاهما محذوف دل عليه قوله: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} ، والتقدير أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند إتيان الساعة؟
وقيل: هذا لا يحتاج إلى مفعول؛ لأن معناه أخبروني، وإنما يحكم على موضع ما وقع بعده بالنصب، كقولك: أخبرني عما فعل زيد. قلت: وهذا راجع إلى معنى الوجه الأول.
وقيل: محذوف تقديره: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة مَن تدعون عند نزول الشدائد؟
ثم بَكَّتهم بقوله: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} ؟ بمعنى: أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضر، أم تدعون الله دونها بل إياه تدعون، بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة؟
و {أَغَيْرَ} منصوب بتدعون. و {إِيَّاهُ} بتدعون الذي بعده.
{بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) } :