{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} الطرد: الإِبعاد، والمفعول مطرود وطريد.
والغداة: نكرة، ولذلك دخلت عليها الة التعريف، وأصلها غَدْوَةٌ، قلبت الواو ألفًا لتحركها، وفتحت الدال لأجل الألف، وفيها لغتان: فتح الغين وضمها، وينشد لزهير:
198 -غَدَوْتُ عليه غَدْوَةً ...
ويروى غُدْوةً.
وقرئ: (بالغُدْوة) بضم الغين وإسكان الدال وواو بعدها، وأكثر العرب على ترك صرفها؛ لأنَّها معرفة، يقال: أتيته غدوة، غير مصروفة، ويجوز تنكيرها كما ينكر بعض الأعلام، فحينئذ يدخل عليها حرف التعريف، كما يدخل على ما نُكِّر من الأعلام.
والغدوة: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي: من صلاة المغرب إلى العتمة، واختلف فيه، فقيل: هو مفرد، وقيل: هو جمع عشية.
واختلف فيهما هنا، فقيل: المراد بذكر الغداة والعشي الدوام على العبادة، وقيل: المعنى يصلُّون صلاة الصبح والعصر.
وقوله: {يُرِيدُونَ} في موضع الحال من (الذين) أو من الضمير في {يَدْعُونَ} ، فإن قلت: ما المراد بقوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ؟ قلت: قيل: المراد بذلك: التنبيه على إخلاص عملهم، والوجه يُعَبَّرُ بِهِ عن ذات الشيء وحقيقته.
وقوله: {مِنْ شَيْءٍ} : (من) مزيدة للتوكيد، ومحلها الرفع بالابتداء، والخبر {عَلَيْكَ} و {مِنْ حِسَابِهِمْ} في موضع الحال لأجل تقديمه على الموصوف وهو {شَيْءٍ} .
فإن قلت: هل يجوز عكس هذا وهو أن يكون الخبر {مِنْ حِسَابِهِمْ} ، و {عَلَيْكَ} الحال لما ذكرت آنفًا؛ قلت: لا يبعد ذلك.
ولا يجوز أن يكون {مِنْ شَيْءٍ} اسم (ما) ، كما زعم بعضهم، لتقديم الخبر عليه، ومثله: {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} .