فهرس الكتاب
وقوله: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط أو الجواب، وتحتمل أن تكون موصولة وهي مبتدأ أيضًا، ويأتي الكلام على خبرها إن شاء الله.
و {مِنْكُمْ} في موضع الحال من المستكن في {عَمِلَ} ، وكذلك {بِجَهَالَةٍ} حال أيضًا، أي: عمله وهو جاهل. ويحتمل أن يكون متعلقًا بـ (عمل) ، أي: عمله بسبب الجهل، وذكر فيه وجهان من جهة المعنى:
أحدهما: أنه فاعلٌ فِعْلَ الجهَلَةِ؛ لأنَّ من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظانٌّ، فهو من أهل السَّفَهِ والجهل. ومنه قول الشاعر:
199 -على أَنَّها قالتْ عَشِيَّةَ زُرْتُها ... جَهِلْتَ عَلَى عَمْدٍ ولم تَكُ جاهِلًا
والثاني: أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم ألّا يُقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته.
وقرئ: (أنه) ، (فأنه) بفتحهما، وبفتح الأولى وكسر الثانية، وبالعكس، وبكسرهما.
أما من فتحهما: فأبدل الأولى من الرحمة، فتكون في موضع نصب، كأنه قيل: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم. وأما الثانية: فيجعلها خبر مبتدأ محذوف، أي: فَأَمْرُهُ أنَّ ربَّه غفور رحيم له، أي: فأمره غفران ربه، أو بالعكس، أي: فله أن ربه غفور له، أي: فله غفران ربه، فيرفعها إما بالابتداء على رأي صاحب الكتاب، أو بالظرف على رأي أبي الحسن، والجملة في موضع الرفع بحق خبر {مَنْ} .
ولا يجوز أن تكون الثانية بدلًا من الأولي، ولا مؤكدة لها، كأنه قيل: كتب ربكم أنه غفور، كما زعم بعضهم لأمرين:
أحدهما: أن البدل لا يصحبه حَرْفُ معنى؛ لأنَّ البدل لا يحول بينه وبين المُبْدَلِ منه شيء غير الاعتراضات، [والفاء ليست من الاعتراضات] ، إلّا أن تجعلها مزيدة وهو بعيد.
والثاني: أن ذلك يؤدي إلى أن لا يبقى لـ {مَنْ} جواب إن جعلتها شرطية، ولا خَبَرٌ إن جعلتها موصولة، وإذا بَطَل كلاهما بقي ما ذكرت.
وأما من فتح الأولى وكسر الثانية: فأبدل الأولى من الرحمة، وكسر الثانية؛ لأنَّها بعد الفاء في جواب الشرط، كأنه قيل: فهو غفور رحيم،