فكثيرا ما تكون الخلافات بين الأفراد والفئات، ظاهرها أنه خلاف على مسائل في العلم، أو قضايا في الفكر، وباطنها حب الذات، واتباع الهوى الذي يعمي ويصم، ويضل عن سبيل الله، وهذا ما لمسته ـ للأسف الشديد في كثير من ألوان الخلاف التي وقعت ـ ولا زالت تقع ـ بين الجماعات والحركات الإسلامية بعضها وبعض، وبين الأجنحة المختلفة داخل الجماعة الواحدة، وبين الأفراد القياديين بعضهم وبعض، فكثير منها يرجع إلى أمور شخصية، وتطلعات ذاتية، وإن كانت تغلف بالحرص على مصلحة الإسلام أو الجماعة، أو غير ذلك مما قد يدق ويخفى حتى على الإنسان نفسه، فيزين له سوء عمله، فيراه حسنا -
أجل كثيرا ما يكون الخلاف في حقيقة الأمر من أجل أن يكون زيد زعيما، أو عمرو رئيسا، أو بكر قائدا، ويظن اتباع هذا أو ذاك أو ذلك أنه خلاف على المبادئ والمفاهيم، وهو خلاف على المغانم، وحب الظهور أو الجاه أو التصدر وهو الذي جاء به الحديث النبوي"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه"-
والمراد بالشرف هنا: الجاه والمنصب، والمعنى: أن الحرص على المال والجاه أكثر إفسادا من إفساد الذئبين للغنم -
لقد حرصت التربية الإسلامية، القرآنية والنبوية، على تكوين الإنسان مؤمن الذي يجعل غايته رضا الخالق، لا ثناء الخلق، وسعادة الآخرة، لا منفعة الدنيا وإيثار ما عند الله على ما عند الناس، (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) (سورة النحل: 96) -
وحذرت هذه التربية من الإنسان الذي تكون الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه فهو يعمل للجاه، والشهرة، أو للمصلحة الذاتية، أو لنزعة عصبية ظاهرة أو خفية -
ولهذا صح في الحديث أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة هم أهل الرياء والكذب على الله، الذين يزينون للناس أنهم يعملون لله تعالى، وهم لا يعملون إلا لذواتهم، وشهوات أنفسهم، وإن كان فيهم العالم والمعلم، والمنفق الباذل والمجاهد المقاتل!!
ومن هنا نوه الحديث الشريف بأولئك الجنود المجهولين الذين يذيبون حبات قلوبهم، وينفقون أغلى أيام أعمارهم، في نصرة دينهم وطاعة ربهم، دون أن تسلط عليهم الأضواء، أو يشار إليهم بالبنان -