وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق سبحانه وتعالى: {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} أي: لن نصدقكم . فقد جاء المنافقون ليعتذروا بأعذار كاذبة ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض مجرد سماع الاعتذار ، وأعلن لهم: لن نصدقكم . ولو امتلك المنافقون ذرة من ذكاء لفهموا أن رب محمد عليه الصلاة والسلام قد أخبره بكل شيء ؛ حتى بما في قلوبهم قبل أن ينطقوه ، ولو امتلكوا ذرة من فطنة لرجعوا عن نفاقهم ، ولدخلوا في الإيمان ، ولكنهم لم يستوعبوا الدرس ، فجاء الحق سبحانه وتعالى بالأمر واضحاً في قوله سبحانه: {قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ} فكأن المسألة ليست فراسة استنتاج ، ولكنها وحي من الله .
ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} .
ما هو العمل الذي سيراه الله سبحانه وتعالى ورسوله ، بعد أن رفض رسول الله عذرهم ، وأخبرهم بأن الله قد أخبره بما يُخْفونه من كذب في صدورهم؟ فسبحانه العالم بالسرائر كلها ، لقد شاء سبحانه ألا يغلق أمامهم باب المرجع إليه ، وكان يجب من بعد ذلك أن يرتدعوا وأن يتيقنوا أن رب محمد صلى الله عليه وسلم لا تخفى عليه حتى نواياهم . وما دُمْتم قد علمتم صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أبلغكم به ، أصبح عليكم - إذن - أن ترجعوا وتخرجوا من دائرة النفاق لتدخلوا حظيرة الإيمان ؛ وتراكم الدنيا من بعد ذلك وقد اختلفت أعمالكم من النفاق إلى الإيمان ، أما إن أصررتم على ما أنتم فيه ؛ فمعنى ذلك أنكم لم تستفيدوا من العملية الإعجازية التي أنبأ الله فيها رسوله بكذبكم .
إذن: فقد فتح الله باب التوبة أمامكم رحمة منه سبحانه ، فانتهزوا هذه الفرصة ؛ لأنه سبحانه سيرى أعمالكم في المستقبل ، وعلى أساس هذه الرؤية يرتب لكم الجزاء على ما يكون منكم .