والتقوى كما علمنا هي اتقاء صفات الجلال في إله تعالى ، وأيضاً اتقاء النار ، وزاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات من تصدر عنه التقوى ؛ لأنها مراحل ،"فقال صلى الله عليه وسلم يصف المتقين:"
"هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أرحام بينهم ، ولا أموال يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لَعلَى نور".
وقد سئُل عمر رضي الله عنه عن المتقين فقال:"الواحد منهم يزيدك النظر إليه قُرباً من الله". وكأنه رضي الله عنه يشرح لنا قول الحق سبحانه:
{سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود} [الفتح: 29] .
وساعة ترى المتقي لله تُسَرُّ وتفرح به ، ولا تعرف مصدر هذا السرور إلا حين يقال لك: إنه ملتزم بتقوى الله ، وهذا السرور يلفتك إلى أن تقلده ؛ لأن رؤياه تذكِّرك بالخشوع ، والخضوع ، والسكينة ، ورقَّة السَّمْت ، وانبساط الأسارير .
والواحد من هؤلاء ينظر إلى الكون ولا يجد في هذا الكون أي خَلَل ، بل يرى كل شيء في موضعه تماماً ، ولا يرى أي قُبح في الوجود ، وحتى حين يصادف القبح ، فهو يقول: إن هذا القبح يبيِّن لنا الحُسْن ، ولولا وجود الباطل ومتاعبه لما عشق الناسُ الحقّ ، وهكذا يصير الباطل من جنود الحق .
إن وجود الشرّ يدفع الناس إلى الخير ؛ ولذلك يقال: كُنْ جميلاً في دينك تَرَ الوجود جميلاً ؛ لأنك حين ترى الأشياء وتقبل قدر الله فيها ، هنا يفيض الله عليك بهبات من الفيض الأعلى ، وكلما تقرَّبت إلى الله زاد اقتراب الله سبحانه منك ، ويفيض عليك من الحكمة وأسرار الخلق .