فهرس الكتاب
واختلف المشايخ هل يجوز لولي أن يعلم بولايته؟
فقال الإِمام أبو بكر بن فُورك: لا يجوز؛ لأنه يسلبه الخوف، ويوجب له الأمن.
وقال الأستاذ أبو علي الدقاق، والأستاذ أبو القاسم القشيري، وعامة المشايخ: يجوز، وليس ذلك بواجب في جميع الأولياء، فيجوز في حق بعضهم أن يعلم أنه ولي، ويجوز في حق بعضهم أنه لا يعلم ذلك من نفسه، ولا يعلمه منه غيره أيضًا.
وإذا علم بعضهم أنه ولي، كانت معرفته تلك كرامة له انفرد بها، وليس كل كرامة لولي يجب أن تكون تلك بعينها لجميع الأولياء، ولو لم يكن للولي كرامة ظاهرة عليه في الدنيا لم يقدح عدمها في كونه
وليًّا بخلاف الأنبياء.
وما قيل: إن علم الولي بولايته أو كرامته يسلبه الخوف، ويوجب له الأمن؛ هذا ليس بمطرد، ولو كان هذا كذلك للزم مثله في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولفاتهم مقام الخوف.
وقد قال الله تعالى فيهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [سورة الأنبياء: 90] .
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أخشى الناس لله وأخوفهم منه, وهذا أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم؛ صح خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم في الجنة، وما يحكى عنهم في الخوف والرهبة لا يكاد يحصى كثرة.
فلا يلزم من علم الولي لولايته أن يسلب الخوف أصلاً وإن أمن الأولياء من تغير العواقب لما يجدون في قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال ما يزيد على غيرهم.
وهل يجوز أن يكون الولي وليًّا في الحال ثم يتغير أو لا؟
اختلفوا في ذلك؛ فمن جعل من شرط الولاية حسن الخاتمة يقول: إن ذلك غير جائز، واختاره القشيري، والصدر ينشرح إليه، وإلا
لصدق على من كان مؤمنا ثم ارتد أنه كان وليا ثم صار عدوًا، وإنما العبرة بالخواتيم.