وَأَسَرُّوهُ أخفوه وأخفوا أمره عن الرفاق بِضاعَةً أي أخفوه حال كونهم جاعليه متاعا للتجارة. والبضاعة: ما بضع من المال للتجارة، أي قطع وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ لم يخف عليه إسرارهم وَشَرَوْهُ باعوه لأن لفظ الشراء والبيع من ألفاظ الأضداد، فيقال: اشتراه أي ابتاعه، وشراه: باعه بَخْسٍ مبخوس أي ناقص ومعيب، ومنه قوله تعالى: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ [الأعراف 7/ 85 وغيرها] والمراد بالبخس هنا قول الحرام أو الظلم لأنه بيع حر، والأصح أن المراد به الناقص عن ثمن المثل مَعْدُودَةٍ قليلة، قيل: كان عشرين درهما أو اثنين وعشرين وَكانُوا فِيهِ في يوسف مِنَ الزَّاهِدِينَ الراغبين عنه. والضمير إن كان للإخوة فظاهر، وإن كان للرفقه التجار، فزهدهم فيه لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به، مستعجل في بيعه. وباعته السيارة في مصر للذي اشتراه بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى ما فعله إخوة يوسف بإلقائه في أعماق الجب (البئر)
ذكر هنا طريق خلاصه من تلك المحنة عن طريق قافلة تجار ذاهبة إلى مصر، فأخذوه وباعوه فيها.
التفسير والبيان:
ومرّ بالبئر جماعة مسافرون مارّون من مدين إلى مصر، روي أنهم من العرب الإسماعيليين، بعد أن مكث يوسف في البئر ثلاثة أيام، كان يتردد عليه بالطعام أخوه يهوذا، وذكر محمد بن إسحاق أن إخوته بعد إلقائه في الجب، جلسوا قريبا من تلك البئر، فساق الله له سيارة، فأرسلوا واردهم (وهو الذي يبحث عن الماء ليسقي القوم فلما جاء إلى البئر، وأدلى دلوه فيها، تشبّث يوسف عليه السّلام بها، وخرج من البئر.
فقال مبشرا جماعته السيارة: يا بشرى هذا غلام، أي هذه أوان البشرى فاحضري، هذا غلام وسيم جميل صبوح ظريف، كما تقول: يا أسفا، ويا حسرتا. فاستبشروا به فهو غلام يباع.