وفي"البحر"عن الحوفي أنه قد تقدم في الآية شرطان {نُرِيَنَّكَ} لأن المعطوف على الشرط شرط ، وقوله تعالى: {تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ} لا يصلح أن يكون جواباً للشرط الأول ولا للشرط الثاني لأنه لا يترتب على شيء منهما وهو ظاهر فيحتاج إلى تأويل ، وهو أن يقدر لكل شرط منهما ما يناسب أن يكون جزاء مترتباً عليه ، فيقال والله تعالى أعلم: وإما نرينك بعض الذين نعدهم فذلك شافيك من أعدائك ودليل صدقك وإما نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم عليك ولا عتب ، ويكون قوله تعالى: {فَإِنَّمَا} الخ دليلاً عليهما ، والواقع من الشرطين هو الأول كما في بدر.
ثم إنه سبحانه طيب نفسه عليه الصلاة والسلام بطلوع تباشير الظفر فقال جل شأنه:
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ} الخ ، والاستفهام للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أأنكروا نزول ما وعدناهم أو أشكوا أو ألم ينظروا في ذلك ولم يروا {أَنَّا نَأْتِى الأرض} أي أرض الكفرة {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} من جوانبها بأن نفتحها شيئاً فشيئاً ونلحقها بدار الإسلام ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء أليس هذا مقدمة لذاك.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الغالبون} [الأنبياء: 44] وروي ذلك عن ابن عباس.
والحسن.
والضحاك.
وعطية.
والسدي.
وغيرهم ، وروي عن ابن عباس أيضاً وأخرجه الحاكم عنه وصححه أن انتقاص الأرض موت أشرافها وكبرائها وذهاب العلماء منها.
وفي رواية عن أبي هريرة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الأخير ، وروي أيضاً عن مجاهد ، فالمراد من الأرض جنسها ، والأطراف كما قيل بمعنى الإشراف ، ومجيء ذلك بهذا المعنى محكي عن ثعلب ، واستشهد له الواحدي بقول الفرزدق:
واسأل بنا وبكم إذا وردت مني...
أطراف كل قبيلة من يمنع