وربما قيل في قوله تعالى (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) ان ذلك يدل على ان إيمانهم من فعل الله فيثبتهم عليه. وجوابنا ان المراد يثبتهم على الخيرات دينا ودنيا لاجل إيمانهم فلذلك قال (بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) ولذلك قال بعده (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) أي يضلهم عما يفعله بالمؤمنين دينا ودنيا ولذلك قال بعده (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً) تعجبا منهم من حيث لم يعرفوا موقع نعم الله تعالى وعدلوا عن شكره وطاعته ورغبنا عاجلا في الطاعة فقال (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ) فبين أن الذي ينفعهم في الآخرة أن
يطيعوا بأنفسهم وبأموالهم قبل اليوم الذي فيه لا ينتفع أحد بمكسب وتصرف. ثمّ بين تعالى أنواع نعمه بقوله جل وعز (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) إلى قوله (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها) ترغيبا للعبد في شكر هذه النعم حالا بعد حال ثمّ قال تعالى من بعد (إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) .
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) كيف يصح أن يسأل ربه هذين الأمرين ثمّ يوجد خلاف ذلك فانا نجد البلد يجري فيه الخوف العظيم ونجد في أولاده من يعبد الأصنام. وجوابنا أن قوله آمنا لا يدل على كل شيء فقد يكون آمنا من ضروب الخوف غير آمن من سواه ومعلوم ما يحصل بمكة من الامن ويحتمل أنه دعا ربه أن يجعله آمنا في أيامه حتى يؤمن بعضهم