ثم اعلم - أبقاك اللّه - أنّ صاحب التشديق والتقعير والتقعيب من الخطباء والبلغاء، مع سماحة التكلّف، وشُنعةِ التزيُّد، أعذَرُ من عييّ يتكلف الخطابة، ومن حَصِرٍ يتعرض لأهل الاعتياد والدُّرْبَة، ومَدارُ اللائمة ومستقَرُّ المذَمّة حيث رأيتَ بلاغةً يخالطها التكلف، وبياناً يمازجه التزيّد، إلا أنّ تعاطِيَ الحَصِر المنقوصِ مَقامَ الدرِب التامّ، أقبَحُ من تعاطي البليغ الخطيب، ومن تشادُقِ الأعرابيِّ القُحّ، وانتحالُ المعروفِ ببعض الغَزارة في المعاني والألفاظ، وفي التحبير والارتجال، أنّه البحرُ الذي لا يُنزَح، والغَمْر الذي لا يُسبَر، أيسَرُ من انتحال الحَصِر المنخُوب أنّه في مِسلاخِ التام الموفّر، والجامع المحكّك، وإن كان النبي قد قال: إياي والتشادُق، وقال: أبغضكُم إليَّ الثّرثارون المتفيهقون.
وقال: مَن بدا جَفا، وعاب الفَدَّادِينَ والمتزيِّدين، في جَهارة الصوت وانتحال سعة الأشداق، ورُحْبِ الغلاصم وهَدَل الشِّفاه، وأَعْلَمنَا أن ذلك في أهل الوبر أكثَر، وفي أهل المدَر أقلّ - فإذا عابَ المدريَّ بأكثَرَ مما عاب به الوبريّ، فما ظنُّك بالمُولَّد القَرَويّ والمتكلِّف البلديّ - فالحَصِرُ المتكلّف والعِييُّ المتزيّد، ألوَمُ من البليغ المتكلِّف لأكَثرَ مما عنده، وهو أعذر؛ لأنّ الشُّبهة الداخلةَ عليه أقوى، فَمنْ أسوأ حالاً - أبقاك اللّه - ممّن يكون ألْوَمَ من المتشدِّقين، ومن الثّرثارين المتفيهقين، وممن ذكره النبي نصاَّ، وجعل النَّهي عن مذهبه مفسَّراً، وذكر مقْته له وبغضَه إياه.
ولمَّا علم واصلُ بنُ عطاء أنّه ألثغُ فاحش اللَّثَغ، وأنّ مَخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذ كان داعيةَ مقالةٍ، ورئيسَ نحلة، وأنّه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنّه لا بُدَّ له من مقارعَة الأبطال، ومن الخطب الطِّوال، وأنّ البيان يحتاج إلى تمييزٍ وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج