فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 241205 من 466147

قالوا: والمشاكلةُ من جهة الاتِّفاق في الطبيعة والعادة، ربَّما كان أبلغَ وأوغَلَ من المشاكلة من جهة الرَّحِم، نعم حتى تراه أغلَبَ عليه من أخيه لأمِّه وأبيه، وربَّما كان أشبَهَ به خَلْقاً وخُلُقاً، وأدَباً ومذهَباً، فيجوز أنْ يكون اللَّه تبارك وتعالى حينَ حَوّلَ إسماعيلَ عربيّاً أن يكون كما حوّلَ طبعَ لسانه إلى لسانهم، وباعَدَه عن لسان العجم، أن يكون أيضاً حوّلَ سائر غرائزه، وسلَخَ سائرَ طبائعه، فنقلها كيف أحبّ، وركّبها كيف شاءَ، ثم فضّله بعد ذلك بما أعطاه من الأخلاق المحمودة، واللِّسان البيِّن، بما لم يخُصَّهم به، فكذلك يخُصُّه من تلك الأخلاق ومن تلك الأشكال بما يفوقُهم ويَرُوقُهم، فصار بإطلاق اللِّسان على غير التلقين والترتيب، وبما نُقِل من طباعه ونقل إليه من طبائعهم، وبالزِّيادة التي أكرمه اللَّه بها، أشْرَفَ شرفاً وأكرَمَ كَرَمَاً، وقد علِمْنا أنّ الخرسَ والأطفال إذا دخلوا الجنّة وحُوِّلوا في مقادير البالغين، وإلى الكمال والتَّمام، لا يَدْخُولونَها إلاّ مع الفصاحة بلسانِ أهل الجنة، ولا يكون ذلك إلاّ على خلافِ التَّرتيب والتدريج، والتَّعليم والتقويم، وعلى ذلك المثالِ كان كلامُ عيسى ابنِ مريم، صلى الله عليه وسلم، في المهد، وإنطاقُ يحيى عليه السلام بالحِكمة صبيّاً، وكذلك القولُ في آدمَ وحوّاء عليهما السلام، وقد قلنا في ذئب أُهبانَ بن أوس، غُراب نوح، وهُدهُد سُليمان، وكلام النملة، وحِمَارِ عُزَير، وكذلك كلُّ شيء ٍ أنطَقَه اللّهُ بقُدْرته، وسخَّره لمعرفته، وإنّما يمتنع البالغ مِن المعارف مِن قِبَل أُمورٍ تَعرِض من الحوادث، وأُمورٍ في أصل تركيب الغريزة، فإذا كفَاهم اللّهُ تلك الآفاتِ، وحصّنَهم من تلك الموانع، ووفَّر عليهم الذّكاءَ، وجلَبَ إليهم جياد الخواطر، وصَرَف أوهامَهم إلى التعرُّف، وحبَّب إليهم التبيُّن، وقعت المعرفةُ وتمَّت النّعمة، والموانع قد تكون من قَبِل الأخلاط الأربعة على قدر القِلَّةِ والكثرة، والكثافة والرِّقّة، ومن ذلك ما يكون من جهة سُوء العادة، وإهمالِ النَّفْس، فعندها يستوحِش من الفكرة، ويَستثقِل النَّظَر، ومن ذلك ما يكون من الشَّواغل العارضة، والقُوى المتقسَّمة، ومن ذلك ما يكون من خُرْق المعلِّم، وقلَّة رفق المؤدِّب، وسُوء صَبر المثقِّف، فإذا صفَّى اللَّهُ ذِهنَه ونقّحَه، وهذّبَه وثقَّفَه، وفرّغ بالَه، وكفَاه انتظارَ الخواطر، وكان هو المفيدَ له

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت