(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً ...(30)
قلت: (خَيْراً) : منصوب بفعل محذوف، أي: أنزل خيرًا، فهو مطابق للسؤال لأن المؤمنين معترفون بالإنزال، بخلاف قوله: (أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) فهو مرفوع على الخبر لأنهم لا يُقرون بالإنزال، فلا يصح تقدير فعله.
وإنما عدلوا بالجواب عن السؤال لإنكارهم له، وقالوا: هو أساطير الأولين ولم ينزله الله.
(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(32)
فإن قلت: كيف التوفيق بين الآية وبين الحديث: «لَن يَدخلَ أحدُكُمُ الجنةَ بعَمَلِهِ، قالوا: ولا أَنْتَ؟ قَالَ: ولا أَنَا، إِلاَّ أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِه» ؟
فالجواب: أن الهداية لصالح العمل، والتوفيق له، هو برحمة الله أيضًا، فالعمل الصالح رحمة من رحمات الله، فما دخل أحد الجنة إلا برحمته، فرجعت الآية إلى الحديث.
ومقصد الحديث: نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل، كما ذهب إليه فريق من المعتزلة.
وهنا جواب آخر صوفي وهو الجمع بين الحقيقة والشريعة، فنسبة العمل إلى العبد شريعة، ونفيه عنه، بإجراء الله ذلك عليه، حقيقة. فالآية سلكت مسلك الشريعة في نسبة العمل للعبد فضلاً ونعمة «من تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك» .
والحديث سلك مسلك الحقيقة لأن الدين كله دائر بين حقيقة وشريعة، فإذا شرَّع القرآنُ حققته السُّنة، وإذا شرَّعت السُّنةُ حققها القرآن. والله تعالى أعلم.
(إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(40)
فأمره بين الكاف والنون، فإذا كان إيجاد الأشياء من العدم بلفظ «كن» ، فأولى إعادتها.