ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون". والصورة التي ذكرها القرآن فِي ترفيه الإنسان ليست صورة"أفندى"جالس على مكتبه يصدر الأوامر ، وإنما هي صورة فلاح يذهب إلى الحقل تتبعه ماشيته ، ثم يعود ، وهو لها مالك ، وبها مزدان ، ولها مسخر.. إن هذا متاع عظيم."
ثم يطَّرد إحصاء الأفضال الإلهية"هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون"كيف ينزل الماء على الثرى ، فإذا الحبوب أنواع ، والأزهار ألوان ، والطعوم شتى ، للأنعام حظها ، وللبشر حظوظهم ، والأرض واحدة ، والماء واحد ، وترى هنا غابات ملتفة ، وترى هناك سهولا فيحاء. من صنع هذا كله؟!."وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون"إن الأرض التي تعيش جماهيرنا على أديمها ، وتلتقط منها رزقها ليست فِي الفضاء الكونى إلا ذرة صغيرة تنتظم فِي عقد مبهم من كواكب لا حصر لها. إنها تبنة ملقاة فِي سكة التبانة ، أو رملة مطمورة فِي صحراء هائلة ، أو قطرة فِي بحر متلاطم الموج !. إن الكون كبير جدا ، ولكن خالقه أكبر جدا ، ومع ذلك فمن البشر من يجهل هذا الخالق ، وقد يتصوره قطعة حجر أو قطعة خشب ، ما أشد الغباء!!."أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم * والله يعلم ما تسرون وما تعلنون * والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون". وسورة النحل تسمى سورة النعم ؛ لكثرة ما وصف الله فيها أنعمه على عباده ، طالبا منهم أن يذكروه ويشكروه. وقد قلنا أول السورة: إن دلالة الكون الصامتة تقارنها دلالة القرآن الناطقة. وأنهما تتبادلان المواقف فِي تعريف الناس بربهم ، واقتيادهم إليه. وقديما وحديثا كان ناس ينكرون الوحي ، ويتهمون رجاله بالكذب ، كانوا يعيشون