فهرس الكتاب
أي: نُخوّفهم بأنْ يتعرّضوا للعقوبات التي تعرّض لها المكذِّبون للرسل ، فالرسل نهايتهم النصر ، والكافرون بهم نهايتهم الخُذْلان. وأنت حينما تُخوّف إنساناً أو تُحذره من شر سيقع له ، فقد أحسنتَ إليه وأسديتَ إليه جميلاً ومعروفاً ، كالولد الذي يُخوِّف ابنه عاقبة الإهمال ، ويُذكّره بالفشل واحتقار الناس له ، إنه بذلك ينصحه ليلتفت إلى دروسه ويجتهد.
فقوله تعالى: وَنُخَوِّفُهُمْ.. { [الإسراء: 60] التخويف هنا نعمة من الله عليهم ، لأنه يُبشّع لهم الأمر حتى لا يقعوا فيه ، وسبق أن ذكرنا أن التخويف قد يكون نعمة في قوله تعالى ، في سورة الرحمن:
{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 35 - 36]
فجعل النار والشُّوَاظ هنا نعمة ؛ لأنها إعلام بشيء سيحدث في المستقبل ، وسيكون عاقبة عمل يجب أن يحذروه الآن.
وقوله تعالى: فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً { [الإسراء: 60]
أي: يزدادون بالتخويف طغياناً ، لماذا؟ لأنهم يفهمون جيداً مطلوبات الإيمان ، وإلا لو جهلوا هذه المطلوبات لقالوا: لا إله إلا الله وآمنوا وانتهت القضية ، لكنهم يعلمون تماماً أن كلمة لا إله إلا الله تعني: لا سيادةَ إلا لهذه الكلمة ، ومحمد رسول الله لا بلاغَ ولا تشريعَ إلا منه ، ومن هنا خافوا على سيادتهم في الجزيرة العربية وعلى مكانتهم بين الناس ، كيف والإسلام يُسوِّي بين السادة والعبيد؟!
إذن: كلما خوَّفْتهم وذكّرتهم بالله ازدادوا طغياناً ونفوراً من دين الله الذي سيهدم عليهم هذه السلطة الزمنية التي يتمتعون بها ، وسيسحب بساط السيادة من تحت أقدامهم ؛ لذلك تجد دائماً أن السلطة الزمنية لأعداء الرسل ، وتأتي الرسل لهدم هذه السلطة ، وجَعْل الناس سواسية.