ويعفو الله عن الحريريّ حيث استخف في هذه الآية وتَمجَّن ، وأتى بخطل من القول وزلّ ؛ فاستدل بها على الكُدْية والإلحاح فيها ، وأن ذلك ليس بمعيب على فاعله ، ولا منقصة عليه ؛ فقال:
وإِنْ رُدِدْتَ فما في الردِّ مَنقصةٌ ...
عليكَ قد رُدَّ موسى قبلُ والْخَضِرُ
قلت: وهذا لعب بالدين ، وانسلال عن احترام النبيين ، وهي شِنْشِنَة أدبية ، وهفوة سخافية ؛ ويرحم الله السلف الصالح ، فلقد بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح ، فقالوا: مهما كنت لاعباً بشيء فإياك أن تلعب بدينك.
الخامسة: قوله تعالى: {جِدَاراً} الجِدار والجَدْر بمعنًى ؛ وفي الخبر:"حتى يبلغ الماء الجدر".
ومكان جَدِيرٌ بُني حواليه جدار ، وأصله الرفع.
وأجدرت الشجرةُ طلعت ؛ ومنه الجدريّ.
السادسة: قوله تعالى: {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي قرب أن يسقط ، وهذا مجاز وتوسع وقد فسره في الحديث بقوله:"مائل"فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن ، وهو مذهب الجمهور.
وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحيّ الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة ، أي لو كان مكانهما إنسان لكان ممتثلاً لذلك الفعل ، وهذا في كلام العرب وأشعارها كثير ؛ فمن ذلك قول الأعشى:
أَتْنتَهون ولاَ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ ...
كالطَّعْنِ يَذهبُ فيه الزَّيتُ والفُتُلُ
فأضاف النهي إلى الطعن.
ومن ذلك قول الآخر:
يُرِيدُ الرمحُ صدر أَبِي بَرَاءٍ ...
ويرغبُ عن دماء بني عقيل
وقال آخر:
إنَّ دهراً يلُفُّ شَمْلِي بِجُمْلٍ ...
لزَمَانٌ يَهُمُّ بالإِحسان
وقال آخر:
في مهمه فُلِقت به هاماتُها ...
فَلْقَ الفؤوس إذا أردن نُصُولاً
أي ثبوتاً في الأرض ؛ من قولهم ؛ نَصَل السيفُ إذا ثبَتَ في الرميّة ؛ فشبَّه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض ، فإن الفأس يقع فيها ويثبت لا يكاد يخرج.
وقال حسان بن ثابت:
لَوْ ان اللُّوْمَ يُنسبُ كان عَبْداً ...