ثم لما عاين ذلك منهم ذو القرنين ، انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما - وهي في منقطع أرض الترك مما يلي الشمس - فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ ، فلما أنشأ في عمله حفر له أساساً حتى بلغ الماء ، ثم جعل عرضه خمسين فرسخاً وجعل حشوه الصخور وطينه النحاس يذاب ثم يصب عليه ، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ، ثم علا وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب ، وجعل خلاله عرقاً من نحاس أصفر فصار كأنه محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد ، فلما فرغ منه وأحكم انطلق عامداً إلى جماعة الإنس والجن ، فبينما هو يسير إذ رفع إلى أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون ، فوجد أمة مقسطة يقتسمون بالسوية ويحكمون بالعدل ويتأسون ويتراحمون... حالهم واحدة وكلمتهم واحدة وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة وقلوبهم مؤتلفة وسيرتهم مستوية وقبورهم بأبواب بيوتهم ، وليس على بيوتهم أبواب وليس عليهم أمراء وليس بينهم قضاة وليس فيهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف ، ولا يتفاوتون ولا يتفاضلون ولا يتنازعون ولا يستّبون ولا يقتتلون ولا يقحطون ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس ، وهم أطول الناس أعماراً وليس فيهم مسكين ولا فقير ولا فظ ولا غليظ.