ومعنى هذا أن قوله {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} في الظاهر خبر عن الظمآن، والمراد به الخبر عن الكفار، ولكن لما ضرب الظمآن مثلًا للكفار جعل الخبر عنه كالخبر عنهم.
قوله تعالى {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} قال مقاتل: يخوفهم بالحساب كأنَّه قد جاء. والمعنى على هذا أنَّه عن قريب يحاسب الكفَّار.
وهذا الوجه سوى ما ذكرنا الوجوه في معنى {سَرِيعُ الْحِسَابِ} في سورة البقرة.
40 - {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} قال أبو إسحاق: أعلم الله أن أعمال الكفار إن مثِّلت بما يوجد فمثلها مثل السراب، وإن مثِّلت بما يُرى فهي كهذه الظلمات التي وصف في قوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} الآية.
ومعنى قوله (بما يوجد وبما يرى) يعني بالعين وبالأثر. فالتشبيه بالسراب تشبيه بعين، والتشبيه بالظلمات تشبيه بأثر وحدث.
وقال صاحب النظم: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، ثم رجع إلى ذكر كفرهم فقال: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} يعني كفرهم، ولم يذكر الكفر هاهنا إنَّما نسقه على أعمالهم لأن الكفر أيضًا من أعمالهم فشبَّهه بالظلمات كما قال - عز وجل -: {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] أي من الكفر إلى الإيمان يدل على ذلك قوله {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} يعني به الإيمان.
وقال أبو علي الفارسي: قوله {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} معناه: أو كذي ظلمات، ويدلُّ على حذف المضاف قوله: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ} فالضمير الذي أضيفت إليه يده يعود إلى المضاف المحذوف. ومعنى ذي ظلمات: أنَّه في ظلمات]، ومثل حذف المضاف هنا حذفه في قوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ} [البقرة: 19] تقديره: أو كذوي صيّب، أو أصحاب صيّب فحذف المضاف.