وسبق أن ضربنا مثلاً لهذه المسألة بالسجين الذي بلغ منه العطش مبلغاً ، فطلب الماء ، فأتاه الحارس به حتى إذا جعله عند فيه واستشرف المسكين للارتواء أراق الحارسُ الكوبَ ، ويُسمُّون ذلك: يأْسٌ بعد إِطْماع .
لذلك الحق تبارك وتعالى يعطينا في الكون أمثلة تُزهِّد الناس في العمل للناس من أجل الناس ، فالعمل للناس لا بُدَّ أن يكون من أجل الله . وفي الواقع تصادف مَنْ ينكر الجميل ويتنكر لك بعد أنْ أحسنْتَ إليه ، وما ذلك إلا لأنك عملتَ من أجله ، فوجدت الجزاء العادل لتتأدب بعدها ولا تعمل من أجل الناس ، ولو فعلتَ ما فعلتَ من أجل الله لوجدتَ الجزاء والثواب من الله قبل أنْ تنهتي من مباشرة هذ الفعل .
وفي موضع آخر يُشبِّه الحق سبحانه الذي ينفق ماله رياء الناس بالحجر الأملس الذي لا ينتفع بالماء ، فلا ينبت شيئاً: {كالذي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} [البقرة: 264] .
وقوله تعالى: {والله سَرِيعُ الحساب} [النور: 39] فإياك أنْ تستبعد الموت أو البعث ، فالزمن بعد الموت وإلى أن تقوم الساعة زمنٌ لا يُحسَب لأنه يمرُّ عليك دون أن تشعر به ، كما قال سبحانه: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46] .
والله تعالى أخفى الموت أسباباً وميعاداً ؛ لأن الإبهام قد يكون غاية البيان ، وبإبهام الموت تظل ذاكراً له عاملاً للآخرة ؛ لأنك تتوقعه في أي لحظة ، فهو دائماً على بالك ، ومَنْ يدريك لعلَّك إنْ خفضْتَ طرْفك لا ترفعه ، وعلى هذا فالحساب قريب وسريع ؛ لذلك قالوا: مَنْ مات فقد قامت قيامته .