وفي المقابل {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [الشورى: 22] هذا إخبار من الله تعالى وهو حق، فعاقبة الإيمان والعمل الصالح روضات الجنات يعني ملاذها وأطيب أماكنها يجدونها يوم القيامة، ويجدونها حتى في الدنيا بالتخيل لها والشوق إليها.
فالشهيد الذي يجود بنفسه في سبيل الله لم يُقدم على ذلك إلا لثقته في هذا النعيم، وأنه إذا قُتِل في سبيل الله سيذهب إلى خير من هذه الحياة.
وقد ذكرنا"قصة الصحابي الذي سمع من رسول الله جزاء الشهداء، فقال: يا رسول الله أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فأُقتل؟ قال صلى الله عليه وسلم: بلى. فألقى الصحابي تمرة كانت في فمه وبادر إلى الشهادة، ولم ينتظر حتى يمضغ التمرة التي كانت في فمه"، لماذا؟ لأنه واثق من صدق الجزاء في قوله تعالى:
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] .
نعم الشهداء أحياء، وأحياء عند مَنْ؟ عند ربهم، وهذه قمة الشرف والعز والنعيم، وهي خصوصية لم ينلْها غيرهم، فالشهادة نقلتهم من حياة لحياة، فلا يموتون بعد ذلك، ويُبعثون مع الناس وهم أحياء.
وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى حين قال في سيد الشهداء حمزة ابن عبد المطلب عم رسول الله:
أَحَمْزَةُ عَمّ المصْطفى أنتَ سَيِّدٌ ... عَلَى شُهَداء الأرض أجمعِهمْ طُرّا
وحَسْبُكَ مِنْ تلْكَ الشَّهادة عِصْمةٌ ... مِنَ الموت في وصْلِ الحياتين بالأُخْرى
وقوله: {فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ..} [الشورى: 22] روضات جمع روضة، وهي الحديقة أو البستان المليء بالخضرة والنضرة والأزهار والثمار، بحيث إذا دخلتها تنفحك بأريج عطرها، وفي خلال ذلك أنهار تجري بالماء العذب.
فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات يعني: في أفضل أماكنها وأطيبها {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ..} [الشورى: 22] فهذه العندية أشرف وأعظم من أيِّ نعيم آخر، فهم في نعيم الجنات وملاذِّها، يفوق ذلك كله أنهم عند ربهم، لذلك ختم الآية بقوله: {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [الشورى: 22] أي: تفضُّلاً من الله وتكرُّماً عليهم.