الحديث عن جنود الله في معرض ذكر نصر الله يقتضي لا محالة فريقاً مهزوماً بتلك الجنود وهم العدو ، فإذا كان النصر الذي قدره الله معلولاً بما بشر به المؤمنين فلا جرم اقتضى أنه مَعلول بما يسوء العدوّ وحزبه ، فذكر الله من عِلة ذلك النصر أنّه يعذّب بسببه المنافقين حزبَ العدو ، والمشركين صميم العدوّ ، فكان قوله: {ويعذب المنافقين} معطوفاً على {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات} [الفتح: 5] .
والمراد: تعذيب خاص زائد على تعذيبهم الذي استحقوه بسبب الكفر والنفاق وقد أومأ إلى ذلك قوله بعده {عليهم دائرة السوء} .
والابتداء بذكر المنافقين في التعذيب قبل المشركين لتنبيه المسلمين بأن كفر المنافقين خفيّ فربما غفل المسلمون عن هذا الفريق أو نسوه.
كان المنافقون لم يخرج منهم أحد إلى فتح مكة ولا إلى عمرة القضية لأنهم لا يحبون أن يراهم المشركون متلبسين بأعمال المسلمين مظاهرين لهم ولأنهم كانوا يحسبون أن المشركين يدافعون المسلمين عن مكة وأنه يكون النصر للمشركين.
والتعذيب: إيصال العذاب إليهم وذلك صادق بعذاب الدنيا بالسيف كما قال تعالى: {يعذبْهم الله بأيديكم} [التوبة: 14] وقال: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة: 73] ، وبالوَجل ، وحذَر الافتضاح ، وبالكمد من رؤية المؤمنين منصورين سالمين قال تعالى: {قل موتوا بغيظكم} [آل عمران: 119] وقال: {إن تصبك حسنة تسوءهم} [التوبة: 50] وصادق بعذاب الآخرة وهو ما خص بالذكر في آخر الآية بقوله: {وأعد لهم جهنم} .
وعطف {المنافقات} نظير عطف {المؤمنات} [الفتح: 5] المتقدم لأن نساء المنافقين يشاركنهم في أسرارهم ويحضون ما يبيتونه من الكيد ويهيئون لهم إيواء المشركين إذا زاروهم.
وقوله: {الظانين} صفة للمذكورين من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات فإن حق الصفة الواردة بعد متعدد أن تعود إلى جميعه ما لم يكن مانع لفظي أو معنوي.