ثم يقول: كان للملائكة شركة مع إبليس في قولهم لآدم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ. . .} [البقرة: 30] ، كان في نظرهم إليه بالحقارة إعجاب أنفسهم مودعاً، ولكن الملائكة لم يصروا على ذلك الإعجاب، وتابوا إلى الله ورجعوا مما قالوا، فعالجهم الله بإسجادهم آدم عليه السلام؛ لأن في السجود غاية الهوان والذلة للساجد، وغاية العظمة والعزة للمسجود، فلما كان في تحقير آدم هوانه وذله وعزة الملائكة وعظمتهم فأمرهم بالسجود؛ لأن العلاج بأضدادها فزال عنهم علة العجب، وقد أصر إبليس على قوله وفعله، ولم يتب فأهلكه الله بالطرد واللعنة، فكذلك حال من ينظر إلى أخيه المسلم بنظر الحقارة، ولا ينتهي عما نهاه الله تعالى بقوله: {وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} [الحجرات: 11] ، وإنما قال: {أَنفُسَكُمْ} ؛ لأن المؤمنين أنفسهم واحدة إن عملوا شراً إلى أحد؛ فقد عملوا إلى أنفسهم، كما قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ. . .} [الإسراء: 7] الآية.
{وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ} [الحجرات: 11] ؛ أي: بألقاب فيها شين لدينهم، {بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ} [الحجرات: 11] ؛ أي: يخرجهم من الإيمان، {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} [الحجرات: 11] ؛ يعني: من مقالة إبليس وفعاله بأن ينظر إلى نفسه بالعجب وإلى غيره بالحقارة، {فََأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] ، فيكونوا منخرطين في سلك اللعنة والطرد مع إبليس، كما قال: {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] .