فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 431044 من 466147

بهم إلى الفناء والزوال (والعياذ بالله) يفني بعضهم بعضًا بالمنازعات الخاصة ,

وما يسلم من أيدي بعضهم يحصده الأجانب.

واعتقد أولئك الإفرنج أنه لا فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر وبين الاعتقاد

بمذهب الجبرية القائلين بأن الإنسان مجبور محض في جميع أفعاله , وتوهموا أن

المسلمين بعقيدة القضاء يرون أنفسهم كالريشة المعلقة في الهواء تقلبها الرياح كيفما

تميل , ومتى رسخ في نفوس قوم أنه لا اختيار لهم في قول ولا عمل ولا حركة ولا

سكون - وإنما جميع ذلك بقوة جابرة وقدرة قاسرة - فلا ريب تتعطل قواهم ,

ويفقدون ثمرة ما وهبهم الله من المدارك والقوى , وتمحى من خواطرهم داعية

السعي والكسب , وأجدر بهم بعد ذلك أن يتحولوا من عالم الوجود إلى عالم العدم.

هكذا ظنت طائفة من الإفرنج , وذهب مذهبها كثيرون من ضعفاء العقول في

المشرق , ولست أخشى أن أقول كذب الظان وأخطأ الواهم وأبطل الزاعم وافتروا

على الله والمسلمين كذبًا. لا يوجد مسلم في هذا الوقت من سني وشيعي وزيدي

ووهابي وخارجي يرى مذهب الجبر المحض , ويعتقد سلب الاختيار عن نفسه

بالمرة , بل كل من هذه الطوائف المسلمة يعتقدون بأن لهم جزاءً اختياريًّا في

أعمالهم , ويسمى بالكسب وهو مناط الثواب والعقاب عند جميعهم , وأنهم محاسبون

بما وهبهم الله من هذا الجزء الاختياري , ومطالبون بامتثال جميع الأوامر الإلهية

والنواهي الربانية الداعية إلى كل خير الهادية إلى كل فلاح , وأن هذا النوع من

الاختيار هو مورد التكليف الشرعي , وبه تتم الحكمة والعدل.

نعم كان بين المسلمين طائفة تسمى بالجبرية ذهبت إلى أن الإنسان مضطر

في جميع أفعاله اضطرارًا لا يشوبه اختيار , وزعمت أن لا فرق بين أن يحرك

الشخص فكه للأكل والمضغ وبين أن يتحرك بقفقفة البرد عند شدته , ومذهب هذه

الطائفة يعده المسلمون من منازع السفسطة الفاسدة , وقد انقرض أرباب هذا المذهب

في أواخر القرن الرابع من الهجرة ولم يبق لهم أثر. وليس الاعتقاد بالقضاء والقدر

هو عين الاعتقاد بالجبر ولا من مقتضيات ذلك الاعتقاد كما ظنه أولئك الواهمون.

الاعتقاد بالقضاء يؤيده الدليل القاطع , بل ترشد إليه الفطرة , ويسهل على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت