فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 431045 من 466147

كل من له فكر أن يلتفت إلى أن كل حادث له سبب يقارنه في الزمان , وأنه لا

يرى من سلسلة الأسباب إلا ما هو حاضر لديه , ولا يعلم ماضيها إلا مبدع نظامها ,

وأن لكل منها مدخلاً ظاهرًا فيما بعده بتقدير العزيز العليم. وإرادة الإنسان إنما هي

حلقة من حلقات تلك السلسلة , وليست الإرادة إلا أثرًا من آثار الإدراك , والإدراك

انفعال النفس بما يعرض على الحواس , وشعورها بما أودع في الفطرة من

الحاجات , فلظواهر الكون من السلطة على الفكر والإرادة ما لا ينكره أبله فضلاً

عن عاقل , وأن مبدأ هذه الأسباب التي ترى في الظاهر مؤثرة إنما هي بيد مدبر

الكون الأعظم الذي أبدع الأشياء على وفق حكمته , وجعل كل حادث تابعًا لشبهه

كأنه جزء له، خصوصًا في العالم الإنساني.

ولو فرضنا أن جاهلاً ضل عن الاعتراف بوجود إله صانع للعالم فليس في

إمكانه أن يتملص من الاعتراف بتأثير الفواعل الطبيعية والتأثيرات الدهرية في

الإرادات البشرية , فهل يستطيع إنسان أن يخرج بنفسه عن هذه السنة التي سنها

الله في خلقه؟ هذا أمر يعترف به طلاب الحقائق فضلاً عن الواصلين , وإن بعضًا

من حكماء الإفرنج وعلماء سياستهم التجأوا إلى الخضوع لسلطة القضاء وأطالوا

البيان في إثباتها , ولسنا في حاجة إلى الاستشهاد بآرائهم.

إن للتاريخ علمًا فوق الرواية عني بالبحث فيه العلماء من كل أمة , وهو العلم

الباحث عن سير الأمم في صعودها وهبوطها وطبائع الحوادث العظيمة وخواصها

وما ينشأ عنها من التغيير والتبديل في العادات والأخلاق والأفكار , بل في

خصائص الإحساس الباطن والوجدان , وما يتبع ذلك كله من نشأة الأمم وتكوُّن

الدول أو فناء بعضها واندراس أثره.

هذا الفن الذي عدوه من أجلِّ الفنون الأدبية وأجزلها فائدة، بناء البحث فيه على

الاعتقاد بالقضاء والقدر والإذعان بأن قوى البشر في قبضة مدبر للكائنات ومصرف

للحادثات , ولو استقلت قدرة البشر بالتأثير ما انحط رفيع ولا ضعف قوي , ولا

انهدم مجد ولا تقوض سلطان.

الاعتقاد بالقضاء والقدر إذا تجرد عن شناعة الجبر يتبعه صفات الجراءة

والإقدام وخلق الشجاعة والبسالة , ويبعث على اقتحام المهالك التي ترجف لها قلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت