قوله تعالى: {حَمِيمٍ آنٍ} أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه.
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السماوات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
«فَإِنْ قِيلَ» : هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟
فالجَوابُ من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى على شاب في الليل يقرأ: {فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان} فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) }
الظاهر أن الجنتين لخائف واحد.
قال محمد بن علي الترمذي: جنّة لخوفه من ربه، وجنّة لتركه شهوته.
قال ابن عباس: من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض.
قال القرطبي: ويجوز أن يكون المقام للعبد، ثم يضاف إلى الله، وهو كالأجل في قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} [الأعراف: 34] وقوله في موضع آخر: {إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ} [نوح: 4] .
وقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ} أي: كل خائف له جنتان على حدة.
وقيل: جنتان لجميع الخائفين. والأول أظهر.