قال الفرّاء: أراد: جنة، كقوله: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (41) } [النازعات: 41] فثنّى لأجل الفاصلة.
قال: والقوافي تحتمل من الزيادة والنقصان ما لا يحتمله سائر الكلام.
ونظير ذلك قول الفرّاء أيضا في قوله تعالى: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) } [الشمس: 12] ، فإنهما رجلان: قدار وآخر معه، ولم يقل: (أشقياها) للفاصلة.
وقد أنكر ذلك ابن قتيبة وأغلظ فيه، وقال: إنما يجوز في رءوس الآي زيادة هاء السكت أو الألف أو حذف همز، أو حرف، فأما أن يكون الله وعد بجنتين فيجعلهما جنة واحدة لأجل رءوس الآي، معاذ الله!
وكيف هذا وهو يصفها بصفات الاثنين، قال: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) } ثم قال: {فِيهِمَا} .
وأما ابن الصائغ: فإنه نقل عن الفرّاء أنه أراد (جنّات) فأطلق الاثنين على الجمع لأجل الفاصلة.
ثم قال: وهذا غير بعيد.
قال: وإنما عاد الضمير بعد ذلك بصيغة التثنية مراعاة للفظ.
{وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) }
(استعمال أنسب معاني الألفاظ وأفصحها)
قال البارزيّ في أول كتابه «أنوار التحصيل في أسرار التنزيل» : اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض وكذلك كلّ واحد من جزأي الجملة قد يعبّر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولا بدّ من استحضار معاني الجمل، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها، واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه، وإن كان مشتملا على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح، ولذلك أمثلة:
منها: قوله تعالى: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} لو قال مكانه: (وثمر الجنتين قريب) لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجنى والجنتين، ومن جهة أنّ الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل.
{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ (56) }