إن قراءة هذه الآيات بخواتيم فواصلها المتجانسة يجعلك تقف خاشعاً مبهوراً، تمتلكك هزة من الأعماق وأنت مأخوذ بهذا النغم الموسيقي الحزين، المنبعث من أقصى الصدر وأواخر الحلق، نغم تتقطع به الأنفاس، وتتهجد به العواطف، وتتحسر به القلوب، وتقشعر به الأبدان، وتسيل به الدموع، وتتكسر عنده العقابيل، وتتلاشى عنده الأوهام، وتتهاوى عنده الشهوات، وتتضاءل عنده الدنيا وبريقها، وتتعاظم عنده الآخرة ونعيمها.
عد معي إلى تلك الآيات ولاحظ فواصلها: (كتابيه، حسابيه، كتابيه، حسابيه، ماليه، سلطانيه) ، فقد ألحقت بها هاء السكت رعاية لفواصل الآيات المختومة بالتاء القصيرة والتي اقتضى السياق نطقها هاء للتوافق.
وما زلنا مع الهاء، لكن هذه المرة مع هاء أصلية، ختمت بها الفواصل، وليست مزيدة، تأمل جرسها في الأذن، ووقعها في النفس، وقوتها في تحريك المشاعر، وإثارة العقول، قال تعالى: (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ(11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) .
إنها الهاء، ضمير الغائب، الذي جاء في نهايات هذه الآيات ليحقق مناخا نفسيا ملائما للانتباه، ويرصد مواضع الإصغاء في النفس البشرية.
الثانية: حذف حرف ما رعاية للبعد الصوتي، وعناية بالنسق القرآني كما في قوله تعالى: (وَالْفَجْرِ(1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) .
وقوله أيضا: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) .
وقوله أيضا: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)