بدأ أولاً بالعلم ، فذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم وهو القرآن ؛ ثم ذكر ما به التعديل في الأمور ، وهو الميزان ، كقوله: {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} ، ليعلموا الكتاب ويفعلوا ما يأمرهم به الكتاب.
{أن لا تطغوا في الميزان} : أي لأن لا تطغوا ، فتطغوا منصوب بأن.
وقال الزمخشري: أو هي أن المفسرة.
وقال ابن عطية: ويحتمل أن تكون أن مفسرة ، فيكون تطغوا جزماً بالنهي.
انتهى ، ولا يجوز ما قالاه من أن أن مفسرة ، لأنه فات أحد شرطيها ، وهو أن يكون ما قبلها جملة فيها معنى القول.
{ووضع الميزان} جملة ليس فيها معنى القول.
والطغيان في الميزان هو أن يكون بالتعمد ، وأما مالا يقدر عليه من التحرير بالميزان فمعفو عنه.
ولما كانت التسوية مطلوبة جداً ، أمر الله تعالى فقال: {وأقيموا الوزن} .
وقرأ الجمهور: {ولا تخسروا} ، من أخسر: أي أفسد ونقص ، كقوله: {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} أي ينقصون.
وبلال بن أبي بردة وزيد بن علي: تخسر بفتح التاء ، يقال: خسر يخسر ، وأخسر يخسر بمعنى واحد ، كجبر وأجبر.
وحكى ابن جني وصاحب اللوامح ، عن بلال: فتح التاء والسين مضارع خسر بكسر السين ، وخرجها الزمخشري على أن يكون التقدير: في الميزان ، فحذف الجار ونصب ، ولا يحتاج إلى هذا التخريج.
ألا ترى أن خسر جاء متعدياً كقوله تعالى: {خسروا أنفسهم} و {خسر الدنيا والآخرة} ؟ وقرئ أيضاً: تخسروا ، بفتح التاء وضم السين.
لما منع من الزيادة ، وهي الطغيان ، نهى عن الخسران الذي هو نقصان ، وكرر لفظ الميزان ، تشديداً للتوصية به وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه.
ولما ذكر السماء ، ذكر مقابلتها فقال: {والأرض وضعها للأنام} : أي خفضها مدحوة على الماء لينتفع بها.
وقرأ الجمهور: والأرض بالنصب ؛ وأبو السمال: بالرفع.
والأنام ، قال ابن عباس: بنو آدم فقط.
وقال أيضاً هو وقتادة وابن زيد والشعبي: الحيوان كله.