وَمِثَالٌ ثَانٍ فِي فَنَاءِ الْحُبِّ: مُحِبٌّ اسْتَغْرَقَتْ مَحَبَّتُهُ شَخْصًا فِي غَايَةِ الْجَمَالِ وَالْبَهَاءِ، وَأَكْبَرُ أُمْنِيَّتِهِ الْوُصُولُ إِلَيْهِ، وَمُحَادَثَتُهُ وَرُؤْيَتُهُ، فَبَيْنَا هُوَ عَلَى حَالِهِ قَدْ مَلَأَ الْحُبُّ قَلْبَهُ، وَقَدِ اسْتَغْرَقَ فِكْرُهُ فِي مَحْبُوبِهِ، وَإِذَا بِهِ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَحْبُوبُهُ بَغْتَةً عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، فَقَابَلَهُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَلَيْسَ دُونَهُ سِوَاهُ، أَفَلَيْسَ هَذَا حَقِيقًا أَنْ يَفْنَى عَنْ شُهُودِهِ بَمَشْهُودِهِ، بَلْ وَعَنْ حُبِّهِ بِمَحْبُوبِهِ؟ فَيَمْلِكُ عَلَيْهِ الْمَحْبُوبُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَإِرَادَتَهُ وَإِحْسَاسَهُ، وَيَغِيبُ بِهِ عَنْ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ؟ وَانْظُرْ إِلَى النِّسْوَةِ كَيْفَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ لَمَّا طَلَعَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ، وَشَاهَدْنَ ذَلِكَ الْجَمَالَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُنَّ مِنْ عِشْقِهِ وَمَحَبَّتِهِ مَا تَقَدَّمَ لِامْرَأَةِ الْعَزِيزِ، فَأَفْنَاهُنَّ شُهُودُ جَمَالِهِ عَنْ حَالِهِنَّ حَتَّى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.
وَأَمَّا امْرَأَةُ الْعَزِيزِ: فَإِنَّهَا - وَإِنْ كَانَتْ صَاحِبَةَ الْمَحَبَّةِ - فَإِنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَلِفَتْ رُؤْيَتَهُ وَمُشَاهَدَتَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَيْهَا حَالُهَا كَمَا تَغَيَّرَ عَلَى الْعَوَاذِلِ، فَكَانَ مَقَامَهَا الْبَقَاءُ وَمَقَامَهُنَّ الْفَنَاءُ، وَحَصَلَ لَهُنَّ الْفَنَاءُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: ذُهُولُهُنَّ عَنِ الشُّعُورِ بِقَطْعِ مَا فِي أَيْدِيهِنَّ حَتَّى تَخَطَّاهُ الْقَطْعُ إِلَى الْأَيْدِي.
الثَّانِي: فَنَاؤُهُنَّ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِأَلَمِ الْقَطْعِ، وَهَكَذَا الْفَنَاءُ بِالْمَخُوفِ، وَالْفَرَحُ بِالْمَحْبُوبِ يُفْنِي صَاحِبَهُ عَنْ شُعُورِهِ وَعَنْ إِحْسَاسِهِ بِالْكَيْفِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ.