فهرس الكتاب
والأرض المذكورة هنا إما أن تكون الأرض التي في الدنيا وذلك حين البعث ، وإما أن تكون أرض الحشر وهي التي سماها القرآن الساهرة في سورة النازعات (14) ، وقال تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [إبراهيم: 48] ، وإما أن يكون ذلك جارياً مجرى المثل المستعمل للمبالغة في إحاطة الجهات كقول أبي بكر الصديق:"أيُّ أرض تقلني ، وأيُّ سماء تُظلني".
وهذه المعاني لا تتنافى ، وهي من حدّ إعجاز القرآن.
وجملة {لا تنفذون إلاَّ بسلطان} بيان للتعجيز الذي في الجملة قبله فإن السلطان: القدرة ، أي لا تنفذون من هذا المأزق إلا بقدرة عظيمة تفوق قدرة الله الذي حشركم لهذا الموقف ، وأنَّى لكم هاته القوة.
وهذا على طريق قوله: {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون} [الشعراء: 210 ، 211] ، أي ما صعدوا إلى السماء فيتنزَّلوا به.
فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34)
القول فيه كالقول في نظيره المذكور قبله.
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35)
استئناف بياني عن جملة {إن استطعتم أن تنفذوا} [الرحمن: 33] الخ لأن ذلك الإِشعار بالتهديد يثير في نفوسهم تساؤلاً عمّا وَراءه.
وضمير {عليكما} راجع إلى الجنّ والإِنس فهو عام مراد به الخصوص بالقرينة ، وهي قوله بعده: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46] الآيات.
وهذا تصريح بأنهم معاقبون بعد أن عُرض لهم بذلك تعريضاً بقوله: {إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا} [الرحمن: 33] .
ومعنى {يرسل عليكما} أن ذلك يعترضهم قبل أن يَلجوا في جهنم ، أي تقذفون بشُواظ من نار تعجيلاً للسوء.
والمضارع للحال ، أي ويرسل عليكما الآن شواظ.
والشواظ بضم الشين وكسرها: اللهب الذي لا يخالطه دخان لأنه قد كمل اشتعاله وذلك أشد إحراقاً.
وقرأه الجمهور بضم الشين.
وقرأه ابن كثير بكسرها.