والمعنى: الذي أبدع ما مرّ من النعم هو مالك المشرقين والمغربين وما بينهما، لا يشاركه في خلقها أحد، وحيث كانت المشارق والمغارب وما بينها من إبداعه - تعالى - وداخلة في ملكوته، فمن حقه أن يُعبد ولا يُجحد ولا تُكذب آلاؤُه ونعمه، ولهذا أنكر على المشركين تكذيبهم لآلائه ونعمه، ووبخهم على هذا التكذيب بقوله - جل وعلا - بعد هذه الآية: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أَتكذبان بخلقه المشارق والمغارب وما بينها من الكائنات واختلاف الفصول وما يترتب عليه من المنافع والمصالح، أم تكذبان بغير ذلك؟ اللهم لا بشيء من آلائك نكذب، سبحانك ذلك الحمد.
19 -23 - {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :
قال الآلوسي في معنى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أي: أرسلهما وأجراهما، من مرجت الدابة في المرعى، أي: أرسلتها فيه، أي: أرسل الله البحر الملح والبحر العذب.
ونقول: إن هذا هو التفسير الموافق لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} ولقوله: وَمَا يَسْتَوِي
الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا.
أما قول الحسن: إنهما بحرا فارس والروم، فإنه مخالف لصريح الآيات المذكورة، والقرآن يفسر بعضه بعضًا.
وقد ذكر الله أن هذين البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان، فأما التقاؤُهما فيكون عند مصاب الأنهار فيها، وأما البرزخ الذي بينهما فهو القدرة الإلهية التي منعت أن يبغى الماءُ الملح على العذب فيحوله إلى ملح، وأن يبغى العذب على الملح فيحوله إلى عذب، فبقى كلاهما يؤدي وظيفته التي خلق لها.