هذا إذا كان كل جزء يؤدي دوره بمعزل عن الآخر فما بالك إذا كان كل جزء يدخل في دور المواجهة ليس مع العلمانية والكفر والإلحاد بل في مواجهة بعضهم البعض الاخر، وذلك من خلال العداوة والبغضاء حيث تقوم الحركات الإسلامية المدعاة بدور رئيسي في تصفية الساحة من الحركات الإسلامية التي في المقدمة والتي تقوم بدور المواجهة الحقيقية والفعلية حتى إذا تم القضاء علي هذه الحركات الجادة يكون الدور عليها بالطبع أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
وبهذا تتم سياسة تجفيف المنابع التي تقوم بها العلمانية ويقوم بالدور الأساسي فيها الحركة الإسلامية نفسها حيث تصبح هى الكتيبة المتقدمة للصليبية والصهيونية العالمية في حرب الاسلام في ضوء منظومة حرب الدين بالدين.
وفى طريق الدفاع عن العلمانية وإعطائها الشرعية تتبنى بعض الحركات الإسلامية المتشابهَ من الكتاب والسنة حتى تستطيع أن تعطي غطاءا شرعيا لما تقوم به من حراسة الباطل ومنحه الشرعية، حيث تضخم الجزء الذي تقوم به وتدعوا إليه علي أرض الواقع على أنه هو الإسلام كله
وهي بهذا تبتدع قضايا جديدة تكون بديلة عن قضايا الإسلام الحقيقية فبدلا من بيان التوحيد يكون العذر بالجهل وغيرها من الأعذار وبدلا من قضية الجهاد تكون تربية النفس [الجهاد الأكبر] أو أن السلام هو ما يدعو إليه الإسلام ومن خلال استنساخ بعض القضايا وإحلالها محل القضايا الأساسية في هذا الدين يري كل اتجاه أنه هو الإسلام وهو الطريق المستقيم وغيره هو الباطل.
ومن خلال هذا الفهم بدلا من أن تصبح هذه الحركة جماعة، تصبح فرقة، فبدلا من أن تجتمع علي جزء من الإسلام في ضوء الكل بما يخدمه ويساعد في تحقيقه تجتمع علي جزء بعيدا عن الكل ومن هنا تكون البدعة، وتصبح البدعة واقع حياة، تتجمع حولها هذه الجماعة، وتقيم واقع الناس على هذا الاساس كما في الحديث (أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ زَادَ ابْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو فِي حَدِيثَيْهِمَا وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بصَاحِبِهِ وَقَالَ عَمْرٌو: الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ) [1] .
(1) - سنن أبي داود - (ج 12 / ص 196