ومن المعلوم أنه لو كان ملكا محضا لا نبوة له لأخلى الأرض منهم على تكذيبهم له، وعدم طاعته لأن هذا شأن الملوك. لا يستبقون من خشوا عاقبته خضوعا، ولم يكن يخفى عليه أن جيش الملتين يبقى بعده، ويتطرق فهما تشكيك أمته بالشبهات والترهات، وذلك مما يضعف الناموس.
فلما تركهم بالجزية دل على أنه مأمور فيهم من الله بما لا تصبر عليه نفوس الشر، ولا يتجه على هذه الحجة إلا أن يقال: لعله تركهم ليستنبط له من تركهم هذه الشبهة، ويوهم الناس العدل وأخلاق النبوة.
لكن الجواب عنها: أنه لو كان قصده ذلك لكان ذلك يحصل له
بأن يعف عنهم في حياته فقط، ولا كان يوصى بهم كما أوصى بأمته، حتى قال:"أنا بريء ممن وافاني يوم القيامة ولدي عليه مظلمة"
وقال لهم:"لهم ما لكم وعليه ما عليكم".
وهذا (أبو حنيفة) رحمه الله أول أئمة الإسلام وشيخ السلف. يقتل المسلم بالذمي لهذا الحديث، وروى في مسنده بإسناد متصل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقاد مسلما بكافر، فلولا أنه مأمور فيهم من الله تعالى بالاستبقاء، ولو كان ملكا محضا يحب الرياسة وإقامة الناموس، لكان استبقاهم حال حياته، وسكت عن الوصية فيهم بعد موته، حتى كان المسلمون قد أخلوا منهم الأرض، ولم يبق منهم من يورد هذا الشبهة على دينه.
(الحجة الخامسة)
إنه عليه السلام قال: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) .
وإنما قال ذلك لأنه علم أنهم حرفوا بعض كتبهم لا كلها فمنع من تصديقهم خشية أن يكون ما قالوه مما حرفره، ومن تكذيبهم خشية أن يكون مما لم يحرفوه. فالأول في غاية الحزمِ، والثاني في غاية العدل. ولو لم يكن نبيا مأمورًا فيهم بذلك، كما في القرآن: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).
لأغرى الناس بتكذيب كل ما عندهم.
وكان ذلك أتم لناموسه، وأغض من رءوس أعدائه. لأنا علمنا بالاستقراء من ملوك الدنيا أجمعين. أن أحدا منهم لم يترك من آثار من قبله من الملوك ولا الأنبياء ما يحذر منه على ملكه إلا عجزًا.