(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) ؟ لكنه رآه فحاد عنه.
ولعمري إنه معذور في ذلك. فإن كتب المسلمين ليست عنده حجة. وإنما يذكر منها ما يذكر احتجاجا عليهم وإلزاما لهم ورميا لهم بسهامهم كما نحتج نحن عليهم بالتوراة والإنجيل على هذا الوجه، ولا نعتقد صحة ما فيها.
ومنها: قوله إن"الذكر"في قوله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) هو التوراة والإنجيل.
وليس كذلك بل هو القرآن بإجماع مفسري القرآن.
ذكر عبد الرازق في تفسيره عن معمر، عن قتادة وثابت البناني في قوله: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) قال:"حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلًا أو يبطل منه حقا".
قلت: ونظيره قوله تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)
والمعنى واحد.
أما احتجاجه على ذلك بقوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
فلا حجة فيه، لأن في ذلك قوله سبحانه: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ(1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) يعني القرآن بلا خاف ولا شك (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) يعني كفار العرب (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) وهم الكفار"هل هذا - يعني محمدًا - (إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي فليس بأولى بالرسالة منكم. كما قال قوم نوح له: (مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا) وقول قوم صالح: (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ) ؟ ثم قالوا (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) ؟ فأجابهم الله تعالى عن هذا بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) أي أن الرسل الذين كانوا قبلك بشرًا وقد اعترف هؤلاء الكفار برسالتهم. فما وجه إنكارهم لرسالتك مع كونك بشرا؟ ثم قال (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) ، يعني أهل التوراة؟ هل كان المرسلون"
إلا رجالا يوحى إليهم؟
فالذكر أصح المراد ها هنا غير الذكر المراد في سورة الحجر، وهو الذكر المحفوظ.