فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 304

ولهذا اتفق العلماء على أن من أُكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاءً لمهجته، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم وهو يقول: أحد أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فقال: نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فكان يقول: لا أسمع، فلم يزل يقطعه إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك [1] .

ويقول الشوكاني في قوله تعالى: (( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) ) [آل عمران:28] ^: وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهرًا لا باطنًا، وخالف في ذلك قوم من السلف فقالوا: لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام [2] .

ويقول القرطبي: قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم، وقال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن، ولا يقتل ولا يأتي مأثمًا. وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل.

وقال رحمه الله: وقيل: إن المؤمن إذا كان قائمًا بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان.

والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم، ومن أُكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر [3] .

(1) انظر: تفسير القرطبي (4/57) .

(2) انظر: تفسير القرطبي (10/182) .

(3) انظر: تفسير القرطبي (10/188) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت