يقول ابن كثير في تفسير الآيات: أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم -أي: الكافرين- فله أن يتقيهم بظاهره، لا بباطنه ونيته... وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان... وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه: قول الله تعالى: (( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ) [النحل:106] ^ [1] .
وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ): فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا لما ناله من ضرب وأذى وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله، وقد روى العوفي عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه حين عذبه المشركون ليكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله هذه الآية.
وهكذا قال شعبة وقتادة وأبو مالك، وقال ابن حرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه، حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن عادوا فعد.
(1) انظر: فتح القدير للشوكاني (1/452) .