ثم اعلم أن سيرة الأئمة رحمهم الله أبدًا لم تكن شاهدةً على من وضع هذه العقيدة ونسبها إليهم، فقد كانوا مثالًا للجهر بالحق والصدع به ومقارعة الظلم، وفي كتب التاريخ - بل وفي كتب القوم أنفسهم - ألف شاهد على ذلك؛ ليتبين مرة أخرى ما ذكرناه من أن الذين وضعوا مذهب التشيع لا صلة لهم في الحقيقة بأئمة أهل البيت عليهم السلام، بل هو من وضع زنادقة تستروا بحب آل البيت رحمهم الله.
هل تجور التقية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
كيف وهم القائلون بأنهم - رحمهم الله - حجة مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟! وكما لا تجوز عليه التقية فكذا الإمام، فكيف يجوزون عليه التقية فيما لا يعرف الا من جهته؟!
إلا أنهم يقولون: لما كان صلى الله عليه وآله مؤسسًا للأحكام الشرعية، لم يجز في فعله احتمال التقية؛ لمنافاة التقية لمنصبه، وكونها إغراء بالقبيح، وأما الإمام عليه السلام فهو حافظ للسنة وحاكٍ لها، فجازت عليه التقية...نعم لو فرض حدوث ما لم يعلم جهته إلا منه عليه السلام؛ كان كالنبي صلى الله عليه وآله في عدم جواز التقية عليه [1] .
بيان أن الأئمة نصّبوا لبيان الشرائع والأحكام بزعم الشيعة، فلو أخذوا بالتقية انتفت الفائدة من نصبهم:
لذا نعيب على القوم هذا الأمر، ونقول: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام - في اعتقادكم - نُصبوا لبيان الشرائع والأحكام، فلو اتقوا من الأعداء ولم يبينوا بقيت الأحكام مستورة غير معلومة، وانتفت الفائدة من نصبهم، وأيضًا: لم يبق اعتماد على أقوالهم وأحكامهم؛ إذ تحتمل التقية بيان خلاف الواقع، وأنتم تقولون: إن الإمام يجب أن يكون معصومًا من الخطأ؛ ليكون قوله حجة، والتقية مثل الخطأ أو أشنع، إذ توجب عدم الاعتماد عليهم.
(1) انظر: دراسات في علم الدراية لعلي أكبر غفاري (16) .