ويقابل غلو الشيعة في النفاق الذي يسمونه تقية ، غلو الخوارج الذين يذهبون إلى أنه لا يجوز التّقية بحال من الأحوال ، وأنه لا يراعى حفظ المال أو النفس ، أو العرض ، أو غيرها من الضروريات ، في مقابلة الدين أصلًا .ولهم في ذلك تشديدات عجيبة ، منها أن من كان يصلي ، وجاء سارق أو غاصب ليسرق ماله ، فإنه لا يجوز له قطع الصلاة ، ولا معالجة هذا اللص في أثنائها ، مهما كان المال من العظم والكثرة ، ولهم مواقف مع الصحابة وغيرهم في هذا (13) .وبهذا تتحقق وسطية أهل السنة في باب التّقية بين الرافضة المغالين ، وبين الخوارج المفرطين، كما تحققت وسطيتهم في سائر أبواب العمل والاعتقاد ، مصداقًا لقول الله - تعالى -: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) )البقرة:143 .
وإذًا فالتّقية والاستسرار هما حالان عارضان ، يحتاج إليهما الفرد المسلم والجماعة المسلمة ، في أزمنة الغربة المستقرة، وفي حالة ضعف الدعوة ، أو في ظروف معينة ، وهما استثناء من الأصل الذي هو الجهر ، والإعلان ، والوضوح ، وإقامة الحجة ، والله أعلم .
من كتاب العزلة والخلطة أحكام وأحوال
تأليف فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة ( حفظه الله )
علق عليه وقدم له
سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ( رحمه الله )
( * ) قال سماحة الوالد الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله تعالى: يصار إليها عند الحاجة ، أو لحصول المصلحة الراجحة . حرر في 29 /3/1413هـ .
(1) كتاب السرائر لابن إدريس ، ص 479 ، ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي 2/80 ، ووسائل الشيعة للحر العاملي 7/74 .
(2) كتاب أصول الكافي للكليني 2/217 ، والوسائل للعاملي 11/460 .
(3) كتاب أصول الكافي للكليني 2/217 ، والوسائل للعاملي 11/460 .
(4) وسائل الشيعة للعاملي 11/460 .