فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 487

وهي الشبهة السادسة: استدلالهم بأثرين ضعيفين، هذان الأثران كثيرًا ما يوردهما المجيزون لهذا التوسل المبتدع، فلنبين حالهما من صحة أو ضعف، وهل لهما علاقة بما نحن فيه أم لا؟

الأثر الأول: أثر الاستسقاء بالرسول بعد وفاته:

وهو ما روى ابن أبي شيبه عن مالك الدار - وكان خازن عمر - قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي فقال: يا رسول الله! استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فَأُتي الرجلُ في المنام، فقيل له: ائت عمر.. الحديث [2] .

وقيل الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة.

قلت: والجواب أن هذه القصة غير مسلم بصحتها، لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط، وهذان - العدالة والضبط - شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح.

ثم إن الحديث مخالف لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وأخذ به جماهير الأئمة، بل هي مخالفة لما أفادته الآية من الدعاء والاستغفار، وهي قوله تعالى في سورة نوح:"فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، يرسل السماء عليكم مدرارًا.."وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسل بدعاء العباس كما سبق بيانه، وهكذا كانت عادة السلف الصالح كلما أصابهم القحط أن يصلوا ويدعوا، ولم ينقل عن أحد منهم مطلقًا أنه التجأ إلى قبر النبي، وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعًا لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذ لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"القاعدة الجليلة" [3] :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت