الصفحة 24 من 53

ويتحدث إسماعيل الأزهري عما يزعمه من لا خلاق له من الإيمان، ممن يتهمون هذه الشريعة الكاملة بالنقص ... فكان مما قاله: (من ظن أن هذه الشريعة الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر غير رسولهم الذي يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.

وكذلك من ظن أن شيئا من أحكام الكتاب والسنة النبوية الثابتة الصحيحة بخلاف السياسة والمصلحة التي يقتضيها نظام الدنيا فهو كافر قطعا [1] .

ويحكي محمود شاكر هذه الحالة فيقول: (والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتياج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة، وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل أسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها. [2] .

لقد سلك خصوم هذا الدين مسالك متنوعة في سبيل استنقاص الشريعة الإسلامية [3] ، وتفضيل حكم الطاغوت على حكم الله تعالى، فتراهم يصفون الإسلام بأنه ديانة روحية، فلا علاقة له بشؤون الحياة الأخرى كالمعاملات والقضاء والسياسة والحدود ونحوها.

يقول أحمد شاكر [4] عن هؤلاء القوم وحكم الله تعالى فيهم: (والقرآن مملوء بأحكام وقواعد جليلة، في المسائل المدنية والتجارية، وأحكام الحرب والسلم وأحكام القتال والغنائم والأسرى وبنصوص صريحة في الحدود والقصاص فمن زعم أنه دين عبادة فقط [5] فقد أنكر كل هذا، وأعظم على الله الفرية، وظن أن لشخص كائنا من كان، أو لهيئة كائنة من كانت، أو تنسخ ما أوجب الله من طاعته والعمل بأحكامه، وما قال هذا مسلم ولا يقوله، ومن قاله فقد خرج عن الإسلام جملة، ورفضه كله، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. [6] .

كما يزعم هؤلاء الخصوم أن في تحكيم الشريعة إقرار للاستبداد السياسي، والإرهاب الفكري، ويستدلون على ذلك بما حصل لأوروبا أثناء تسلط رجال الكنيسة، وتارة ينعقون بدعوى جمود الشريعة،

(1) تحذير أهل الإيمان ص 80، 81، وانظر ص 22.

(2) عمدة التفسير لابن كثير 4/ 157.

(3) انظر تفصيل ذلك في: الإسلام والعلمانية ليوسف القرضاوي، والعلمانية لسفر الحوالي وتهافت العلمانية في الصحافة العربية لسالم البهنساوي، وتحكيم الشريعة لصلاح الصاوي.

(4) أحمد بن محمد شاكر، من علماء الحديث في هذا العصر، التحق بالأزهر، وتولى القضاء، واشتغل بتأليف الكتب، توفي سنة 1377 ه.

انظر: الأعلام 1/ 253.

(5) أي لا صلة له بشؤون الحياة الأخرى كالمعاملات والحدود .. إلخ.

(6) الكتاب والسنة يجب أن يكون مصدر القوانين في مصر، ص 98، وانظر: - عمدة التفسير لابن كثير (تعليق لأحمد شاكر) 2/ 171، 172، وانظر: موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين لمصطفى صبري 4/ 292.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت