الصفحة 27 من 39

يغادر المرء هذه الأرض قبل أن نسال كل رزقه ويستنفد جميع أجله، فلن يموت إلا بقدر، ولن يستطيع أحد أن ينقص من رزقه قرشا واحدا مهما علا جاهه، وعظم سلطانه، {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [1] ، فالنفع والضر بيد رب العالمين،"واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" [2] ، والأجل المحدود والرزق المحدود مع العلم القطعي أن الله عز وجل بيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع الأمر كله، وله من في السموات ومن في الأرض، وأنه إليه ترجع الأمور، هذه الأمور كلها كانت تدفع بأحدهم في أتون المعركة تاركا وراءه أهله دون معيل ولا كفيل إلا الله ... ولذا فإنا نرى أن آيات العقيدة جاءت منبثة في معرض آيات القتال والجهاد، خاصة الآيات التي تقرر أن الحياة والموت بيد الله؛ {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [3] ... إن استقرار هذه العقيدة في أعماق النفس يجعلها عزيزة فلا تذل، تقف أمام كل قوى الأرض، لا ترهب سلطانا ... هذه العقيدة ترفع صاحبها من أوحال الأرض ومستنقع الطين، فيقف في المرتقى السامي ينظر إلى الأرض من علو مع التواضع ... بهذه العقيدة أضحى الرعيل الأول من الصحب الكرام يعيشون بحسهم وأرواحهم في الآخرة، مع أن أجسادهم تدب على هذه الأرض، هم يتحركون فوق هذه المعمورة، مع أن أنظارهم مشدودة بقوة إلى الجنة .. [4]

التوكل على الله عقيدة يقاتل بها كل جندي مسلم، وكلما ارتفع اليقين زادت القوة وتضاعف الاستعداد للتضحية، جندي يعتقد بأن الرصاصات المبعثرة حوله والطائرات القاصفة فوقه لن تؤذيه إلا بأمر الله تعالى. وهذا كله لا يلغي الأخذ بالأسباب كاملة .. فاليقين لا يُقْصد به الكسل والخمول والتقصير، بل على العكس تمامًا يدفع الإنسان دفعًا لأجل العمل ولعدم التوكل، فهو يقوم بكل ما هو مطلوب منه

(1) الأنعام: 17.

(2) حديث حسن صحيح رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس مرفوعًا.

(3) آل عمران: 145.

(4) العقيدة وأثرها في بناء الجيل ص 38 - 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت