الأرض كلها بأهلها بكل ما فيها تفرق استجابة لدعاء وليٍّ من أولياء الله تعالى، وكذلك كان الأمر مع سيدنا إبراهيم - عليه السلام - عندما أُلقي في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل فتغيَّر حال النار فصارت بردًا وسلامًا على خليل الله {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [1] . أما محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد قال عن ذلك ابن كثير: (وهكذا نصر الله سبحانه نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على من خالفه وناوأه، وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان. وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارا وأعوانا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذلهم له، وقتل صناديدهم .. ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجا. ثم قبضه الله تعالى، إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين الله، ودعوا عباد الله إلى الله. وفتحوا البلاد .. حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائما منصورا ظاهرا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ} [2] [3] .
النصر قادم بإذن الله تعالى ولكن النصر لا ينزل إلا على أهله فهو يحتاج لمؤمنين بحق وحقيقة، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [4] ، المؤمنون حقًا ... هم أهل العقيدة الصحيحة، الأفهام السليمة والطرق المستقيمة .. هم أهل الله وخاصته بلَّغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، وجاهدوا في سبيل الله، رضي الله عنهم وأحبَّهم فنصرهم على أعدائهم .. النصر لا ينزل إلا على أرض مُجهَّزة لاستقباله، هذه الأرض هي قلوب الرجال الذين يحملون لواء العقيدة والدين، فإن كانت أرضهم خصبة نبت فيها
(1) الأنبياء: 69.
(2) غافر: 51.
(3) تفسير ابن كثير، ج 4، ص 1643.
(4) الأنفال: 2 - 4.