فهرس الكتاب
وكذلك كثير من المسائل بل عشرات منها؛ وكما قال الأئمة:"كلٌ يؤخذُ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر"؛ يعنون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كذلك نقول لا يُسأل عن أحكام قتال هؤلاء المبدلين لشريعة الله ولا يُسأل عن السلطان من هو في كنف السلطان.
لو كان الرجل ممن اعتزل في بيته وداره، ولو كان ممن ابتعد عن هؤلاء الذين يعترف هو بلسانه أنهم يحكمون بغير دين الله وبغير شريعة الله، لكان الأمر أهون وأقرب وأسهل، ولقلنا ربما جاز سؤاله، لكن أن يكون هو معينًا لهم مناصرًا لهم وأن يكون مفتيًا لهم يفتيهم بما يحبون وما يريدون، ثم بعد ذلك يقال:"اذهبوا واسألوهم عن أحكام هؤلاء السلاطين وعن الخروج عن هؤلاء السلاطين". هذا مما لا يُقبل ولا يُعقل.
ثم لا يقال ما أشار إليه السائل ناقلًا عمَّن قال ذلك:"إنه لا يُسأل في مسائل العلم إلا من حوى أصول العلم كلها"، هذا القول لم يقل به أحد من الأئمة -رحمهم الله-، ولكن من كان أهلًا للنظر ولو في مسألة واحدة فإنه يمكن سؤاله والرجوع له في ذلك.
والرجل قد يكون عالمًا في التفسير ولا يكون عالمًا في الحديث، كما أن الرجل قد يكون عالمًا في مسائل التوحيد وبما يتعلّقُ بالعقائد ولا يكون عالمًا بمسائل التفسير والفقه، كما أن الرجل قد يكون عالمًا باللغة والنحو وعلومها وآدابها وبعد ذلك لا يعلم غير ذلك، فيُرجعُ له في الباب الذي يعلمه.
وربط الفتوى والعلم بهذه الأسماء الكبار اللامعة لا قيمة له إن لم يكن أصحاب هذه الأسماء ممّن يتقون الله -تبارك وتعالى-، النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في الحديث الذي صحّ عنه: (من أتى أبواب السلاطين افتتن) ، وكان الأئمة -رحمهم الله- كالإمام أحمد وغيره يقولون: (إذا رأيتم العالم يزور السلطان فاتهموه على دينكم) [1] .
وكانوا يتكلمون عن السلاطين الذين لو كان أحدهم في زماننا لغسلنا التراب عن قدميه، كانت جيوشهم تقاتل أهل الصليب في شرق بلاد الإسلام وفي غربها، هؤلاء هم الذي كان السلف -رضوان الله عليهم- يحذّرون من الدخول إلى أبوابهم، فأين هذا من ذاك؟!
(1) أخرجه السيوطي في كتابه (ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين) (92) عن اسحق بن راهويه.