فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 141

الحق بسبب صنيع من خالف الحق منها، كما سبق وأشرت لكم إلى مسألة الجهاد التي ذكرتها، وقلت أنه كم ممّن ينتسب إلى هذه الأمة خرج على هذه الأمة يُشنّع عليها وعلى دعاة الجهاد في سبيل الله.

ونحن عندما نذكر الجهاد لا نذكره لأنه هو الأمر الرباني الوحيد الذي أمرنا الله -تبارك وتعالى- به؛ ولكننا نذكره لأنه هو الفرض الواجب الذي أغفلته هذه الأمة في جملتها، ولأنه هو الواجب الذي أوجبه الله -تبارك وتعالى- عليها دفعًا للكفر والشر والفساد الذي حلّ ببلاد المسلمين من تحكيم غير شريعة الله تعالى وقهر الناس وتعذيبهم وإذلالهم للتحاكم إلى هذه الشرائع والقوانين الوضعية التي هي من وضع الأذهان وحثالات وزبالات الأفكار.

فأقول إنّه مما يجب على من ادّعى دعوة أن يُقيم الدليل على صحة هذه الدعوى المذكورة، وأن يبيّن المراد منها، فإنه لولا ذلك -وهو إقامة البرهان والدليل على صحة ما يدعيه المدعي- لادّعى كل إنسان ما شاء وعلى من شاء، ولكن عندما قُيّدت هذه الدعوة بالبرهان والدليل؛ وقفنا عند ذلك عند ذلك الحد الذي أمرنا الله -تبارك تعالى- به، قال -عزّ وجل-: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [1] ، وهذه دعوى؛ فاليهود والنصارى كل منهم قال ذلك، فاليهود قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، والنصارى قالوا لن يدخل الجنة إلا من كانوا نصارى، فقال الله -عز وجل- بعد ذلك: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، فالمطلوب هو البرهان على صحة الدعوة التي يدّعيها أيّ أحد كائنًا من كان بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.

اعلم -وفّقنا الله وإيّاك لما يحبّه ويرضاه- أنّه قد كثُر اتهام الناس بعضهم لبعض بهذه التهمة، وهي تهمة الغلو والخوارج، حتى أنّ الناس قد شنَّعت على بعضها البعض مع اختلاف أقوالهم وتباين مذاهبهم في كثير من المسائل مما هي من الأصول التي تنازع الناس فيها، ولكنهم مع ذلك شنَّع بعضهم على بعض بهذه التهمة.

فغلاة المرجئة الذين يعاصروننا يُشنّعون على الأستاذ محمد سرور وهو المتكلم في هذا الشريط الذي نحن في صدد الجواب عنه؛ يشنّعون عليه أنه من الخوارج، وأنه من الغلاة، ونحن نرى أنه هو يُشنّع على فريق آخر بأنهم من

(1) سورة البقرة، الآية: 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت