فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 141

الخوارج والغلاة، ونحن نُشنّع على غيرنا بأنهم من الخوارج والغلاة، وغيرنا يشنّع على من هم أشدُّ منهم وأكثر غلوًا منهم بأنّهم من الخوارج والغلاة، ولا زلنا نرى ونسمع أن كل طائفة تشنّع على غيرها وتتّهم غيرها بالضلال والبدعة ولكن العبرة بعد ذلك بما تقدّمه للناس من دليل وبرهان من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

وما أوهمه حديثه من أنّ ما هو عليه هو الوسطيّة والاعتدال وأن ما سواه باطل مردود لأنه داخل في حزب الغلوّ وطائفته؛ فهذا باطل مردود كما سنبيّنه -إن شاء الله تعالى-، وكما سنُدلّل عليه تفصيلًا مسألةً مسألة، لأن المقام يحتاج إلى تفصيل بسبب كثرة الخلط الذي ذكرناه.

وإنّني أُحذّر من مسألة هي كما ذكر أهل العلم -رحمهم الله- سبب الوقوع في الضلال والبدعة؛ وهي أنّ طوائف أهل البدع التي خالفت طريق أهل السنة -رحمهم الله- إنما كانوا يتتبَّعون في أقوالهم واستدلالاتهم ومسائلهم ما ورد من عمومات فيذكرونها في أحاديثهم ويستدلّون بها، وهذا العمومات دائمًا هي موضوع إشكال واختلاف، ولذلك لا يجوز تتبعها والاستناد إليها، وعادة أهل البدع هو التعميم في كلامهم.

فكان يجب عليه وهو في معرض حديثه أن يحذر هذا التعميم حتى لا يوافق أهل البدع في أقوالهم، وأن يُبيّن وأن يُفصّل ما تنازع الناس في وما اختلفوا فيه من المسائل التي هي أصول المسائل الخلافية في زماننا، وقد افترقت الناس فيها إلى فرق. فشتان شتان بين من يقول لهذه الأمة أنّ حكام هذه الأمة في زماننا هم حكام مسلمون والواجب عليكم السمع والطاعة لهم، ويحرم عليكم الخروج عليهم، وبين من يقول لهذه الأمّة إنّ الحكّام كفرة مرتدون مُبدّلون لشريعة الله ثم يوجب بعد ذلك على مجموع هذه الأمة قتالهم والخروج عليهم حتى يكون الدين كله لله، شتان شتان بين هذا وذاك.

ومما أنبّه عليه كذلك، هو أننا نقول -وبالله تعالى التوفيق- ينبغي أن يكون حاضرًا في الأذهان معلومًا أنّنا لسنا نبغي من وراء الرد عليه أو على غيره شهرة أو مكانة، فدين الله -تبارك وتعالى- أوجب على أهل العلم وطلبته، ونحن بحمد الله من صغارة طلبته ولله تعالى الحمد، ونسأل الله -عز وجل- أن يمنّ علينا بمرضاته وأن يقسم علينا بهذا الخير العظيم الذي هو ميراث محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ أقول لسنا نبغي من وراء ذلك شهرةً، ولا نبغي من وراء ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت