عز وجل- بقوله: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ} أي أمر التكوين والتقدير، فلمّا قال: {وَالْأَمْرُ} عُلِم أنه إنّما أراد به الأمر الشرعي والذي هو التحليل والتحريم.
والأمر كما عرّفه أئمتنا -رحمهم الله- بأنه إما أمر بفعل وإمّا أمر بترك، والأمر بالفعل إمّا أن يكون أمرًا جازمًا وإما أن يكون أمرًا غير جازم، والأمر بالترك إمّا أن يكون جازمًا وإما أن يكون أمرًا غير جازم، وهذه هي أقسام الأحكام التي كلّف الله بها العباد.
فإن كان الأمر أمرًا بفعل جازمًا فهو الواجبُ الذي أوجبه الله على مجموع هذه الأمة، وإن كان الأمر بالفعل أمرًا غير جازم فهو الذي ندب الله هذه الأمّة إليه وحرّضهم وحثّهم على فعله وإتيانه، وإن كان الأمر أمرًا بتركٍ جازمًا فهذا هو الحرام الذي حرّمه الله -تبارك وتعالى- على هذه الأمّة، وإن كان الأمر بترك غير جازم فهذا هو المكروه الذي كرههُ الله لهذه الأمة ونهاهم عن إتيانه نهيًا غير جازم. وما بين هذه هو المباح الذي أباحه الله -تبارك وتعالى- لعباده.
هذه الأحكام عمّن تصدر؟
عندما نقول أن الربا محرم، وأن الخمر محرم، وأن الزنا محرم، وحينما نقول أن الجهاد واجب على هذه الأمة، وحينما نقول أن الزكاة والحج والصيام والصدقة واجبة على الفرد المؤمن المُكلّف، عمّن تصدر هذه الأحكام؟
تصدر عمَّن شرَّع هذه الأحكام.
ومن الذي له حقّ تشريع هذه الأحكام؟
هو الله -عزّ وجل-؛ {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، فالخلق والأمر هو لله -تبارك وتعالى- وحده، ولذلك قال -عزّ وجل-: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى